اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مثل حضور الرئيس السوري أحمد الشرع لقمة «كونكورديا»، يوم الإثنين أول من أمس، المحطة الإعلامية الأهم في زيارته الأميركية التي سوف تستمر لخمسة أيام، وهو كان أشبه بـ«منبر» أمكن من خلاله «تعريف» الشارع الأميركي بـ«سوريا الجديدة» التي يقودها، وما هي توجهاتها؟، ثم ما هي مطالبها من واشنطن في حال قررت الأخيرة «تزكية» تلك التوجهات؟،والمشهد برمته، من بابه إلى محرابه، كان مدارا على نحو شديد من الإتقان، بدءا من اختيار ديفيد بترايوس، مدير «وكالة الإستخبارات المركزية» ما بين 2011 - 2012، لإدارة الحوار معه، وهو يحمل الكثير من الدلالات وفي اتجاهات عدة، ومرورا بسيل المديح الذي أغدقه هذا الأخير على ضيفه، ثم وصولا للـ«القنبلة»، التي ألقاها المضيف، وهي فاقت نظيرتها عند روبرت فورد، آخر سفير لواشنطن في دمشق، التي ألقاها في حديثه أمام مجلس «بالتيمور» للشؤون الخارجية، شهر أيار الماضي، حين قال «بدءا من العام 2023 دعتني مؤسسة بريطانية متخصصة في حل الصراعات من أجل مساعدتهم في إخراج هذا الشاب(مشيرا إلى صورة أحمد الشرع) من عالم الإرهاب، وإدخاله في عالم السياسة»، أما بترايوس، الذي كان يوجه كلامه للشرع فقال «عندما كنت في عملي كان يطلب مني تقييم المنظمات الفاعلة في سوريا، وقد قلت أن تنظيمي الدولة(داعش) والقاعدة لا يمكن التصالح معهما، لكن عندما سئلت عن المنظمة التي بنيتها (منظمة تحرير الشام) قلت يمكن لنا العمل مع هؤلاء»، ومن دون شك سوف يقود هذا «الإعتراف» إلى تعديل كبير في مشهدية «الأيام الأحدى عشر» التي هزت سوريا والمنطقة.

تركز حديث الشرع في «كونكورديا» على محاور ثلاثة، وفي الأول دعا إلى رفع العقوبات عن بلاده، وقال إنها «لم تعد مبررة بعد سقوط نظام بشار الأسد»، وأضاف إن «السوريين باتوا يعتبرونها بمثابة إجراءات تستهدفهم بشكل مباشر»، وفي الثاني، قال إن «حكومته عرضت على قسد( قوات سوريا الديمقراطية) الإندماج في الجيش السوري»، وأضاف إن «بقاءها ( أي بقاء قسد دون اندماج) يعرض العراق وتركيا وسوريا للخطر»، وأكد على إن «حقوق الأكراد مصانة»، أما في الثالث، المتعلق بالمحادثات مع اسرائيل، فقال الشرع إن «سوريا ورثت اضطرابات كثيرة خلال 60 عاما، ولا يمكن حلها دفعة واحدة، بل بالتدريج»، وأضاف إن «على اسرائيل الإنسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها بعد سقوط الأسد»، مشيرا إلى إن «المحادثات ستبين ما إذا كانت لدى اسرائيل مخاوف أمنية، أم أطماع توسعية»، وفي نهاية المطاف ذكر الشرع إن «المحادثات وصلت إلى مرحلة متقدمة»، في وقت أشارت فيه مصادر أميركية عدة إلى إن «واشنطن تمارس ضغوطا على دمشق للتوصل إلى اتفاق أمني مع اسرائيل خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع».

يدرك الشرع أن المحاور الأساسية الثلاثة التي تحدث عنها في «كونكورديا» شديدة الإرتباط، وإن عقدتها، وحلها، هي عند الثالث منها، الذي إن جرى التوصل إلى حلول فيه، بات حل الإثنين الأولين تحصيل حاصل، أو على الأقل فإن حلولهما لن تأتي على نحو «منغص» لإدارته، لكنه يدرك أيضا إن الوصول إلى اتفاق من ذلك النوع لن يكون بلا «آلام»، أو بلا قبول بـ«سيادة منقوصة»، ولعل المشكلة الأبرز الآن هي أن احجام هذين الأخيرين لم تتحدد بعد وفقا للمنظور الإسرائيلي لها، وعلى الرغم من تأكيد المبعوث توم براك على إن «الإتفاق أنجز، ولم يعد ينقصه إلا الدعاء»، فإن تل أبيب لا تزال تراوغ لتحصيل ما يمكن تحصيله في وقت «المباراة» الضائع، التي يفترض أن وقتها الأصلي قد انتهى بعيد تصريح براك الأخير.

هناك في تل أبيب من يرى اليوم أن توقيع الإتفاق الأمني، بطبيعته الراهنة، مع حكومة الشرع سيكون أقرب لـ«فخ استراتيجي»، أعدته أنقرة بحرفية ومهارة، لأنه، وفق هؤلاء، سوف يؤدي إلى إطار أمني - سياسي خادم لتوجهات المحور التركي - القطري، وهو في النهاية سيساعد في تكريس شرعية النظام السوري الراهن من جهة، ويوفر، من جهة ثانية، غطاء سياسيا وأمنيا من شأنه أن يتيح لأنقرة والدوحة التحرك بشكل أكبر، ومن المرجح أن الرؤيا التي يتبناها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليست بعيدة عن رؤيا هؤلاء، الأمر الذي يفسر تزايد الضغوط الأميركية على دمشق للقبول بالتعديلات الإسرائيلية التي باتت شبه يومية، في الوقت الذي حدد فيه الشرع استراتيجيته الكبرى القائلة بضرورة «استرضاء» واشنطن كسبيل وحيد، ولا بديل منه، لتحقيق تنمية اقتصادية منشودة لبلاده المنهكة بالعقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ العام 1979.

قبيل توجهه إلى الولايات المتحدة رد الشرع على سؤال حول مسار المفاوضات التي تجريها بلاده مع اسرائيل في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر بالقول «إذا كان السؤال: هل أثق باسرائيل؟ فالجواب: لا أثق بها»، لكنه أضاف إن «التوصل إلى اتفاق أمني مع اسرائيل أمر لا مفر منه»، ولذا فإنه يبدو حتميا إن الشرع لن يعود من واشنطن إلا باتفاق سيكون له تداعيات جيوسياسية كبرى على الجغرافيا السورية أولا، وعلى المنطقة برمتها ثانيا، أما حصة «الأسد» فيها فستكون من نصيب لبنان الذي سيجد نفسه في وضعية لم يكن عليها منذ قيام كيانه قبل ما يزيد عن مئة عام.

الأكثر قراءة

مصير مجهول «للميكانيزم» والقائد الى واشنطن بـ3 ملفات «كرة ثلج» تعيين القزي تتدحرج... تمنيات سعودية «للتيار» بعدم التحالف مع حزب الله!