اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

شكلت المنطقة الوسطى، حمص وحماة وأريافهما، منذ عسكرة الصراع السوري أواخر العام 2011، بؤرة توتر نشطة على امتداد سنوات الأزمة الأربعة عشر، لاعتبارات عدة أبرزها هو اتساع جبهة «التماس» الطائفية الناجم عن التداخل الكبير ما بين الأحياء والقرى التي يغلب على قاطنيها اللون الطائفي الواحد، وبعيد سقوط نظام الأسد، شهر كانون أول المنصرم، استعادت تلك البؤرة نشاطها من جديد، لتبلغ في غضون الأشهر العشرة المنصرمة حدودا غير مسبوقة على وقع تنامي الحالات الإنتقامية من جهة، ثم لاعتبارات أخرى لها علاقة بمحاولات التغيير الديموغرافي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وقوف السلطات الحاكمة وراء تلك المحاولات، وإن كان من المؤكد أن هذي الأخيرة قد تعاملت معها بصمت يثير الكثير من التساؤل، فقد تحدث تقرير للـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، كان قد نشره منتصف شهر أيلول الفائت، عن «تهجير 23 قرية علوية في ريف حماة وسهل الغاب»، ومع ارتفاع منسوب التوتر أضحت المنطقة برمتها ساحة لتصفية الحسابات أولا، ثم وسيلة للضغط الذي راحت تمارسه فصائل منضوية تحت راية السلطة، وهي لا تخفي «امتعاضها» من «التسامح» الذي تبديه السلطة تجاه الأقليات، وفقا لمنظور تلك الفصائل الذي عبرت عنه مقاطع وتسجيلات عديدة جرى نشرها بعيد أحداث الساحل والسويداء بكثافة كانت ملحوظة.

شهدت قرية «عناز» بوادي النصارى، بريف حمص الغربي، مساء الأربعاء الأول من شهر تشرين الجاري، حادثة إطلاق نار نفذها أشخاص مجهولو الهوية، وقد أودت الحادثة بحياة الشابين وسام منصور وشفيق منصور، فيما أصيب ثالث ولا يزال بحالة حرجة وفقا لشهود عيان الذين أكدوا أن «أربعة مسلحين أطلقوا حوالي 30 رصاصة على مجموعة كانوا يجلسون أمام مكتب مختار القرية»، وأضاف هؤلاء إن «المسلحين المثلمين لاذوا بالفرار بعدما تأكدوا من مقتل الشابين»، لكن أحد الشهود الذين تواصلت معهم «الديار» كان قد ذكر إن «ما من أحد كان مقصودا بالتحديد، بل كان المهم بالنسبة للمسلحين هو سقوط ضحايا».

سارعت السلطات إلى احتواء الحادثة، وقد أصدر العميد مرهف النعسان، قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص، بعد ساعات من الحادثة بيانا جاء فيه «شهدت قرية عناز في وادي النصارى مساء الأربعاء حادثة إطلاق نار، نفذها أشخاص مجهولو الهوية أودت بحياة ثلاثة شبان»، وأضاف إن الهدف من «هذا العمل الإجرامي هو زعزعة استقرار الأمن وإثارة الرعب في المنطقة»، كما توعد النعسان في بيانه بـ«العمل على ضبط الجناة وتقديمهم للعدالة»، أما مدير «شبكة مسيحيي سوريا لدعم الثورة السورية»، مروان عبيد، فقد دعا في منشور له على «فيسبوك»، يوم الخميس، إلى «التهدئة وانتظار تحقيقات الدولة»، واعتبر عبيد أن هذه الأحداث «يقف خلفها فلول الأسد»، الذين يعملون على «المتاجرة بكم، وتوريطكم ضد الدولة»، وهذا الخطاب كان يتماشى مع إعلام السلطة الرسمي الذي قال إن «الهدف من هذه الجريمة هو الدفع لمقاطعة الإنتخابات»، والجدير بالذكر هو إن السلطات الرسمية كانت قد حددت يوم 5 تشرين أول الجاري موعدا لإجراء الإنتخابات التشريعية التي أثارت المراسيم الخاصة بها الكثير من الجدل، والكثير من الإنتقادات في أوساط التيارات والقوى السياسية الفاعلة في البلاد.

من المستبعد أن تكون وراء تلك الجريمة ثارات شخصية، وفي هذا السياق يذكر أن أهالي قرية «الحصن» الواقعة بوادي النصارى، وهي بغالبية سنية، كانوا قد أصدروا بيانا أدانوا فيه تلك الجريمة، وأضافوا أنهم «بريئون منها»، ويذكر هنا أن ثمة صدامات عدة كانت قد حدثت، إبان سني الحرب، ما بين قريتي الحصن والزارا، السنيتين، وبين العديد من قرى وادي النصارى ذات الغالبية المسيحية، لكن الصدام كان قد توقف العام 2017 بعد مصالحات جرت برعاية وجهاء القرى، و لم تشهد تلك المصالحات سوى بعض الخروقات الطفيفة خلال الأعوام التي تلتها، كما من المستبعد أن تكون غاية القائمين بها هي الدفع بأهالي الوادي، والمسيحيين عموما، لمقاطعة الإنتخابات، فهؤلاء، شأنهم شأن كل الأقليات، لا دور لهم بتلك الإنتخابات، ومن جرى اختياره، من بينهم، لممارسة دور ما كان خاضعا لشروط، وضوابط، جرى تحديدها بدقة، ولذا فالمقاطعة، أو عدمها، لا تأثير لهما في سياق الإنتخابات العام، ولا بنتائجها، ومن الراجح أن القائمين بالفعل هم عناصر ينتمون لفصائل محسوبة على «أجزاء» من السلطة، وهؤلاء لا ينظرون بعين الرضا لسياسة «الإعتدال» التي ينتهجها الرئيس الشرع حيال «الأقليات»، خصوصا ما بعد أحداث الساحل والسويداء الدامية، أما الهدف، كما يبدو على الأرجح، فهو محاولة جر السلطة إلى تصفيات دينية وعرقية ردا على حالات الإحتجاج التي ستعقب تلك الجريمة.

بشكل ما يمكن القول، حتى الآن، أن سهم الفاعلين لم يصب هدفه، فتدخل السلطة السريع لاحتواء الموقف كان لافتا، وهو لا يشبه سلوكها في حالات مماثلة وقعت قبل أشهر، وفي أماكن أخرى، كما أن ردود الفعل الغاضبة جاءت على نحو يفهم منه عدم الرغبة في التصعيد، فقد شهدت قرية «الحواش»، وهي إحدى قرى الوادي، يوم الخميس، مسيرة شموع رفعت من خلالها شعارات تندد بالعنف، وتظالب بمحاسبة القتلة، وعلى المنوال نفسه كانت مسيرة «باب توما»، الحي المسيحي الدمشقي العريق، تعبيرا عن التضامن مع ذوي الضحايا المكلومين، مع التأكيد على مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها دون تمييز بين عرق أو طائفة أو دين، الأمر الذي يضع الكرة في «ملعب» السلطة الذي تراكمت «كراته» بدرجة باتت تثير الكثير من التساؤلات.


الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز