اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

"الكاتب موجود في زمنه، كل كلمة ينطقها تُحدث أصداء، وكذلك صمته" يقول سارتر، فيلسوف الوجودية الذي يركّز على فكرة أن الإنسان مسؤول عن اختياراته وحريته، وأنه يصنع جوهره بنفسه من خلال أفعاله. وإذا كان المثقف هو الـمُنتج أدبًا وفكرًا في بلاد متتابعة الأزمات والنكبات، الوجودية منها والعابرة، الشخصية والعامة، تصبح المسؤولية عن اختياراته وحريته أكبر وأعمق، وأشد تأثيرًا و"أصداء"، ولعل علي الرفاعي، صاحب المبادئ التي لم يحد عنها يومًا، نقرأ في ديوانه "أطلال 24 – مسامير على طول الطريق" (دار كاف 2025) وجوده في زمنه، وعزمه على إحداث الصدى، في الصمت كما الكلام.

قصائد الديوان في معظمها مواجهة واشتباك، أولاها "مغول في الحديقة" والثانية "ما ليس يُحكى"، فكأنّ الصمت وتأثيره واردان في مخيلة الشاعر وهو يكتب ويواجه، ولكنه يختار دائمًا أن ينطق ويصرخ أحيانًا، علّ تأثيرًا ما يحدث في واقع البلاد المأزوم دومًا.

"للمقدسيين القدامى/ لليتامى/ يزرعون الأرض وردًا أو خياما"... يُفتتَح الديوان، ولأنّ الشاعر ابن الأرض وابن الفلاحين، ولأنّ مبادئه لا تحيد عن البوصلة الأولى "فلسطين"، كانت كلماته في العمق وفي المباشرية، أنا أكتب للمقدسيين وعنهم، ولأنّ زمن كتابة القصائد هو زمن الموت والدمار والإبادة، كانت التزام الشاعر مباشرًا أيضًا، على الرغم من الشعرية والرمزية والخلق والإبداع، إلا أنّ "القضية" لم تُغرِق في الرمزية، وهذا كان مقصدًا وغاية.

محاولات الشاعر للتجديد في شكل نصّه لم تكن في العمق، ولكنه حاول أن يُدخِل روح العصر في بعضها، فها هو، مع الرمزية في استعادة "طروادة"، يقدّم لنا "هاشتاغ" للدلالة على كثرة الثرثرة من دون فائدة، "طروادة انتظرت طويلًا/ والقبائل خلفَ سور حصارها مخصيّةٌ/ والناسُ في سيرك الحضارةِ يملؤون فراغهم بالثرثرة/ #كلّ_العيون_على_رفح/ وتلوك كالعدّاد أرقام الضحايا...".

لم تخرج قصائد الديوان عن الحال الشعورية المسيطرة، وإن خرجت عن المباشرية نحو القضية، فقصائد مثل "أغنية لحزن مونق" و"حرائق في الفم" و"سقوط (غير) حرّ" والتي تبدأ بـ"ما عاد في الدمع ما يكفي/ أعيريني رماد عينيكِ/ كي أستمطر الوجعَ"، وهل من وجع أقسى من عمق هذا المقطع، فمن منّا استطاع الاستمرار في حياته من دون أن يدخل الوجع الذي يحيط به، من خلال مشاهد الموت والبكاء والعويل، ويسيطر على كل أفكاره ومشاعره، فها هي الحبيبة تعيره "رماد عينيها" لاستمطار الوجع.

في القصائد الأخيرة محاولات للخروج من الألم العام، والتركيز على الخاص، من فكر ومشاعر وتجارب شخصية، "بيني وبين الليل نافذةٌ/ ستائرها معلّقةٌ على جفنيّ/ صبحٌ لم يزل ينمو/ وأشجار بلا ظلّ"... بداية لقصيدة حداثية من المستوى الأعلى والأعمق، تظنّ أنها ستُغرق في العمق والرمزية والبَوح ربما، ولكن نجد أن الشاعر، الغارق في الحال المسيطر من حوله، والغارق في أحوال البلاد، لا يستطيع إكمال النصّ ليشكل نصًّا رمزيًّا شعريًّا كاملًا، فينهيها بما يثبت حيرته والتزامه "بيني وبين الله نافذةٌ على أسرارنا الكبرى/ لماذا لم أنم بالأمس؟/ كيف سأفتح التابوت؟/ ماذا بعد هذا النص؟"، ويعترف الشاعر بأنه فشل بمحاولة تجاوز الأزمات الخارجة عن إرادته وينهي ديوانه بـ"أجرّب شيئًا جديدًا: أحاولُ أن أتفادى شظايا الحدث/ أحاول أن أخرج الآن حيًّا من المهزلة.../ عبَثْ".

علي الرفاعي شاعر لم يعطِ المجال لموهبته لأن تهنأ بترف القدرة على التوليد والإبداع والخلق، ولم يعطِ نفسه ترفَ الخَوض في تجارب "فنّ من أجل الفنّ"، ولم يستطع الخروج من دوّامات قضايا بلاده التي حاصرته وتحاصره وتتمكن منه ومن شعره، ولكن ما يُعدّ "ترفًا" هو ما وجدته ميزة بالفعل في ديوان الرفاعي الأخير، فهو وإن أعطاه عنوانًا وعتبة مرتبطة بالماضي، أطلال 24، بالإشارة إلى سنة كتابة القصائد، إلّا أن ما بناه في نصوصه من متانة وتأثير لم أجدها أطلالًا، بل على العكس كانت تكريسًا للسردية التي يجب على المثقف تبنيها وإعادة سردها وإحيائها، وإن يكن عمل الروائي أكثر وضوحًا، ولنقل سهولة، في إعادة إحيائها والتزامه في استمراريتها، يأتي دور الشاعر في تثبيتها في الرمز والخلق والعلاقات الجديدة بما يناسب روح العصر، ولعل الرفاعي واحد من هؤلاء، بجدّ وجِدّة.

"مسامير على طول الطريق" هو العنوان الفرعي للديوان، ولعل تلك المسامير ستبقى في طريقنا، على المدى المنظور على الأقل، إلا أنّ مهمة المثقف، أن يتحمل الألم ويستمر، علّ أمرًا ما يحدث، فتصبح تلك المسامير أدواتًا لندقّها في نعشٍ ما، ونحن نسعى خلف حريتنا وحرية بلادنا وكرامتها! 

الأكثر قراءة

لبنان يدخل أخطر جولة تفاوض منذ الحرب الوفد اللبناني يطالب بوقف النار أولاً وجدول زمني للانسحاب