اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بنيامين نتنياهو يريد أن يذهب بنا جثة الى ردهة المفاوضات. سبق ونقلنا عن شريكه في الائتلاف ايتامار بن غفير قوله "يا لروعة المشهد... أن تجد نفسك تتفاوض مع الموتى"!لا نتصور أن الأزمنة، منذ آدم وحتى دونالد ترامب الذي يريد اعادة تشكيل البشرية، انتجت أناساً على ذلك المستوى من الهمجية. ولكن لنتذكر أنهم يقتلون بالقاذفات الأميركية وبالقنابل الأميركية، ثم نستقبل مبعوثي البيت الأبيض، كما لو أننا نستقبل الأنبياء، مع أننا غالباً ما استقبلنا الأنبياء بالسيوف أو بالحجارة.

أولياء أمرنا يريدون ضمانات من الولايات المتحدة. حقاً في أي عالم غرائبي نعيش الآن. تصوروا أن دونالد ترامب الذي يهددنا بالجحيم اذا لم نمتثل "للشروط الاسرائيلية"، قلق من احتمال انسحاب نتنياهو من اتفاق غزة. هذا قول صحيفة "النيويورك تايمز"الموجودة داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض!!

مشكلتنا ليست فقط خارج الحدود ، داخل الحدود أكثر. قيادات سياسية أو حزبية بالأدمغة العمياء، تريد الذهاب هكذا (هياكل عظمية عارية) الى المفاوضات المباشرة، اعتقاداً منها أن شروط "الحكومة الاسرائيلية" تنحصر في نزع سلاح حزب الله، والذي باتت مهمته في الدفاع عن الأراضي اللبنانية، في مواجهة أي خطر خارجي. الدولة العبرية تريد احتواء لبنان. ألم يقل الجنرال افرايم سنيه "هذه المرة لن نعيد بناء الهيكل بأيدي (وأخشاب) اللبنانيين، كما جرى أيام أحيرام وسليمان ، وانما بعظام (ودماء) اللبنانيين". قال أيضاً "لن نترك كلباً يعوي في بيروت"!

نتنياهو يريد السيطرة على الجنوب حتى نهر الأولي، وربما حتى مثلث خلدة. أبحاث صدرت عن معهد "جافي" للدراسات الاستراتيجية، أبدت اهتماماً لافتاً بقمم الجبال في لبنان، حيث يمكن تغطية المنطقة الممتدة من ضفاف السويس الى ضفاف قزوين، وصولاً الى ضفاف البحر الأسود. ولكن أي جنوب ؟ لعله لم يقرأ تقرير يهوشوا ساغي، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، ابان الاحتياح الاسرائيلي عام 1982، قال بعد جولة بانورامية له في أرجاء المناطق المحتلة "هنا قد تستطيع أن تقنع الصخور بأن تتكيف معنا، لكنك لن تستطيع قطعاً اقناع هؤلاء الناس".

لنستعيد ما قاله في وقت لاحق حول القوى الداخلية التي تحالفت معه آنذاك "أن نسند روؤسنا الى صدور هؤلاء، كما لو أننا نسند رؤوسنا الى صدور الغانيات. أليس هناك بيننا، وهم كثر، من يرى النموذج المثالي في لبنان، أن يكون على شاكلة ملهى "الباريزيانا" بالطربوش والخيزرانة، أو على شاكلة مقهى "الكيت كات" بالياقات البيضاء وربطات العنق الفاخرة؟

كم هو صادم أن تتعامل بعض الشاشات وبعض الصحف مع حزب الله على أنه العدو الوجودي للبنان. كل المقدمات وكل التعليقات لاشغل شاغل لها، سوى غرز الأظافر أو السكاكين في كل ما يمت وما لا يمت الى الحزب بصلة. حتى أن الأظافر اياها توجهت في قضية طارئة وملتبسة، تتعلق بنوعية المياه التي تتولى تعبئتها احدى الشركات الى حزب الله، باعتبار أن اصحاب الشركة مسيحيون والعاملون فيها مسيحيون. هل من كلام أكثر اثارة للخجل وللخزي من هذا الكلام.

هكذا يدخل العضو في الحزب الى "السوبرماركت" أو الى دكانة الحي، ليسأل عن طائفة صانع علب الكونسروة، أو طائفة صانع ألواح الشوكولا. حقاً هل بلغت بنا التفاهة (وثقافة التفاهة) هذا الحد المعيب، وفي بلد قال فيه يونس الابن "هالكم أرزة العاجقين الكون". بالكاد "نعجق" منفضة السكائر أمام دونالد ترامب...

جوزف عون وجهاً لوجه مع بنيامين نتنياهو. مثلما يعرف رئيس الجمهورية، وهو ابن المؤسسة العسكرية، كيف يفكر "رئيس الحكومة الاسرائيلية"، نتصور أن رئيس الحكومة نواف سلام الذي عاد مبتهجاً الى مقعده الوثير، بعدما حرر صخرة الروشة من الغزاة، عاد أيضاً الى شخصية القاضي الدولي، الذي قرأ بدقة كل الجوانب البربرية في شخصية زعيم "الليكود"، ولاحظ كم كان حقيقياً وصف الفيلسوف اليهودي الأميركي نورمان فلنكشتاين له بـ"صبي جهنم"!

لا مفاوضات غير مباشرة، وانما مفاوضات مباشرة، وربما اشترط نتنياهو اللقاء المباشر مع الرئيس جوزف عون، ما دام يعتبر أن لبنان في قبضته. وهذا ما تؤكده يوميات القاذفات الاسرائيلية. أبا ايبان، "وزير الخارجية الاسرائيلية" السابق، رأى في الدولة اللبنانية "دولة من دون هوية"، ووجودها كـ"ظاهرة سريالية"لا جدوى منه على الخريطة .

لادولة في لبنان ما دامت من دون أسوار. وكنا قد استعدنا قول القديس السويسري نيقولا دو فلو في القرن الخامس عشر، الذي أنقذ بلاده من الحرب الأهلية "تريدون أن تكونوا سويسريين ... ابدأوا بتشييد اسوار حول حدائقكم" (أي حول بلادكم). أما "القديس اللبناني" الشيخ بيار الجميل فهو صاحب المقولة الشهيرة، التي لم تخطر في بال أي عبقري أو أي صعلوك في العالم "قوة لبنان في ضعفه".

اذاً، دولة على شاكلة ملهى "الباريزيانا" برقصة "هز البطن"، أو على شاكلة ملهى "الكيت كات" برقصة التانغو. أما رجال المقاومة فهم كائنات هبطت من كوكب آخر، ويفترض القضاء عليها اما بقاذفات بنيامين نتنياهو أو بسواطير أحمد الشرع. الأيام المقبلة أيام كبرى، وسنرى لحساب من يعمل التاريخ ...

الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع