اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في عالمٍ تتسارع فيه الخطى وتتزاحم الأصوات، أصبح البحث عن الذات حاجةً ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى. وفي ظلّ هذا الزخم على وسائل التواصل الاجتماعي حول “الوعي الذاتي” و”الطفل الداخلي” وغيرها من المفاهيم النفسية والروحية، التقينا المعالجة كارمن عيد، المتخصّصة في البرمجة اللغوية العصبية والتنويم الإيحائي، لنتحدث معها عن معنى الوعي الحقيقي، وكيف يمكن للإنسان أن يبدأ رحلة الشفاء نحو ذاته.

- في السنوات الأخيرة، نلاحظ انتشاراً واسعاً لموضوع “الوعي الذاتي” على وسائل التواصل الاجتماعي، برأيكِ هل هذا التوجّه نابع من وعيٍ حقيقي عند الناس أم أنه مجرّد موضة مؤقتة؟

إن انتشار مفهوم الوعي الذاتي في السنوات الأخيرة هو أكثر من مجرد موضة، بل هو انعكاسٌ لحاجة جماعية حقيقية تعبّر عن الإنسان المعاصر، خاصةً في هذا العصر السريع الذي يركض فيه الجميع دون أن يتوقفوا ليستمعوا إلى أنفسهم.

تبحث الناس اليوم عن توازنٍ داخلي ومساحة سلام بين الفكر والمشاعر والروح. صحيح أنّ هناك أشخاصاً يتعاملون مع مفهوم الوعي كـ"ترِند" أو يكرّرون عبارات دون أن يعيشوها بعمق، لكنّ هذا طبيعي، فكل رحلة في الحياة تبدأ غالباً بالتقليد أو بدافع الفضول. المهم أنّ هناك حركة داخلية بدأت تولد عند الناس، ومع الوقت يتحوّل الفهم إلى تجربة حقيقية.

الوعي، في نظري، ليس مجرّد موضوع نتحدّث عنه، بل هو أسلوب حياة، وطريقة ننظر بها إلى أنفسنا بصدق، ونختار من خلالها أن نحبّ، ونسامح، ونتغيّر. حتى لو بدأ كموضة، سيستمر ويتعمّق، لأنّ الروح البشرية بطبيعتها تبحث عن الحقيقة.

- كثيرون يتحدّثون عن “الطفل الداخلي” وكيف يؤثّر على تصرّفاتنا وعلاقاتنا كبالغين. كيف يمكن للإنسان أن يتعرّف إلى طفله الداخلي؟ وما أبرز العلامات التي تدلّ على أنّ هذا الطفل ما زال متألّماً أو مهملاً في داخلنا؟

إن الطفل الداخلي هو الجزء الأكثر براءةً وحساسيةً فينا. إنه ذاك الصوت الصغير الذي لا يزال يسكن أعماقنا ويحمل مشاعر طفولتنا وتجاربها، سواء كانت مليئة بالأمان والحب أو بالوجع والخوف. يبدأ التعرّف إلى هذا الطفل عندما ننتبه إلى أنماط سلوكنا وردّات فعلنا: كيف نغضب..كيف نخاف..لماذا نكرّر نفس الأخطاء في علاقاتنا..هذه الأسئلة تفتح الباب نحو الداخل.

يظهر الطفل الداخلي المتألم عندما نبالغ في ردّات الفعل، أو نشعر باحتياجٍ شديد للتقدير، أو نخاف من الرفض، أو نميل لإرضاء الآخرين على حساب أنفسنا. هذه كلّها إشارات أنّ في داخلنا طفلاً ما زال يطلب حضنًا وأمانًا لم ينله.

الكثيرون لا يدركون أن هذا الطفل هو في الحقيقة جزء من العقل الباطن الذي يتحكّم بحوالي 95٪ من حياتنا اليومية وسلوكياتنا، بينما لا يشكّل العقل الواعي سوى 5٪. لذلك تبدأ رحلة الشفاء عندما يبدأ العقل الواعي تدريجياً بإعادة برمجة هذا الجزء الممتلئ بالخوف والذكريات القديمة.

الإنسان ليس طفولته ولا تجاربه، بل هو قدرته على التعامل مع تلك التجارب، ونضجه ووعيه بأن يختار الشفاء والتحوّل. التعرّف إلى الطفل الداخلي لا يتمّ بالعقل، بل بالإحساس؛ حين نسمح له أن يشعر، ونستقبل تلك المشاعر بدلاً من دفنها.

الشفاء يبدأ عندما نتوقّف عن لوم طفولتنا، ونقرر أن نصبح نحن الراشدين الذين يمسكون بيد ذلك الطفل ويقولون له: "الآن يمكنك أن ترتاح، أنا هنا، ولن أتركك بعد اليوم".

- إلى أيّ مدى يمكن للأهل أن يساهموا في تعزيز وعي أولادهم منذ الصغر؟ وكيف يمكنهم أن يشرحوا لهم مفاهيم مثل المشاعر أو الخوف بطريقة سليمة ومناسبة لأعمارهم؟

للأهل دورٌ أساسي ومحوري في تشكيل وعي أولادهم منذ الصغر، لأن الطفل يتعلّم من التجارب اليومية ومن الطريقة التي يتعامل بها الأهل مع مشاعرهم وحياتهم.

المفتاح هو التواصل البسيط والمباشر بما يناسب عمر الطفل. مع الصغار، يمكننا أن نسمّي المشاعر بأسماء واضحة مثل: "أنا حزين"، "أنا غاضب"، مع إعطاء أمثلة من مواقف بسيطة، ثم نشرح لهم طرق التعبير الآمنة عن هذه المشاعر.

أما مع الأكبر سنّاً، فنبدأ تدريجياً بالحديث عن مفاهيم أعمق مثل التحكّم بالمشاعر وفهمها دون كبتها. ومن المهم جداً أن نعلّم الطفل أنّ المشاعر ليست خطأً ولا شيئاً نخجل منه، بل هي رسائل من داخلنا، هدفها أن نفهمها ونتعامل معها بوعي.

حين يمارس الأهل هذا الوعي مع أنفسهم ويكونون مرشدين لطفلهم بلطفٍ دون أحكام، يتعلّم الطفل كيف يكون واعياً لعالمه الداخلي، ويكبر وهو قادر على بناء علاقات صحية واتخاذ قرارات ناضجة.

أشدد دائماً على أنّ تربية الطفل تبدأ من تربية الأهل لأنفسهم، لأن الطفل يتعلّم بالقدوة أكثر مما يتعلّم بالكلام. وعندما يرى المراهق مثلاً أهله يتعاملون مع مشاعرهم بوعيٍ وهدوء، يتعلّم تلقائياً كيف يدير عواطفه ويعبّر عنها بطريقة ناضجة ومتوازنة.

- في ظلّ كل ما نعيشه من ضغوطٍ وتجارب مؤلمة، ما هي الرسالة التي تودّين توجيهها لكل شخص يشعر بالضياع أو فقدان المعنى في حياته؟ وكيف يمكنه أن يبدأ رحلة الشفاء والعودة إلى ذاته من جديد؟

أؤمن أنّ كلّ شخصٍ يمرّ بفترة ضياع أو فقدان للمعنى يعيش تجربة إنسانية طبيعية جداً. الحياة تصدمنا أحياناً، وتعرّضنا للخيبات والآلام، لكنّها لا تحدّد هويّتنا ولا قيمتنا الحقيقية.

رسالتي لكلّ من يشعر بالضياع: أنت لست وحدك، والقدرة على الشفاء موجودة في داخلك مهما كانت التجربة صعبة.

رحلة العودة إلى الذات تبدأ بخطوة صغيرة: أن نتوقّف للحظة، ونعترف بكل ما نشعر به دون إنكار أو حكم. من هناك نعيد الاتصال بطفلنا الداخلي، ونمنحه الحبّ والرعاية التي كان يحتاجها. ثم نمارس الوعي الذاتي يومياً عبر ملاحظة أفكارنا ومشاعرنا وردّات فعلنا، ونعيد برمجة أنماطنا السلبية من خلال الكتابة والتأمل.

الشفاء ليس هدفاً نهائياً، بل رحلة مستمرّة، نخطو فيها كلّ يوم خطوة نحو النور والمعنى. كل لحظة وعي، وكل قرار ناضج، وكل حدود نضعها من حبٍّ لذاتنا، هي خطوة في طريق السلام الداخلي.

الحياة في جوهرها بسيطة، وحين نفهم مفاتيحنا الداخلية تصبح رحلتنا أسهل، فترتقي أرواحنا ونفهم أنفسنا أكثر، ونتعلّم من كل تجربة صغيرة أو كبيرة.