اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في السنوات الأخيرة، شهد لبنان ظاهرة تختصر مفارقته: يتراجع في مؤشرات التعليم والبحث والابتكار، وفي الوقت نفسه يُسجَّل عدد هائل من «المخترعين»، حتى تكاد لا تخلو بلدة من حاملٍ لبراءة اختراع يعتزّ بها، كأنها وسام وطني.

لكن حين نتتبّع أثر هذه الاختراعات في حياة الناس لا نجد سوى الصمت. يبدو المشهد مبهرا: شباب وأطفال يقدّمون أفكارا جديدة، وزارة التجارة والاقتصاد تمنح براءات اختراع، مؤتمرات تكريمية، وصور تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، غير أنّ هذه الصورة تُخفي خللا عميقا في بنية الابتكار. فلبنان، بحسب مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 لمنظمة الــ(WIPO)، يحتل المرتبة 90 عالميا في مرتبة لا تليق ببلد يُقدَّم «منجما للعقول». تنطلق الأسئلة: هل تحوّل لقب «المخترع» إلى زينة اجتماعية؟ هل أصبح نيل براءة الاختراع أسهل من تطبيقها؟ وهل يُعقل أن يكون بلد صغير مثقَل بالأزمات، أكثر إنتاجا للاختراعات ،من دول صناعية كبرى بلا أثرٍ اقتصادي؟

معايير منح براءة الاختراع

لا جدال أنّ الابتكار هو مفتاح التقدّم وأداة النجاة من الاندثار. فالدول التي نهضت لم تفعل بالمساعدات بل بالاختراعات: بالبحث العلمي والتكنولوجيا، وتحويل الفكرة إلى منتجٍ يخدم الناس. لكن لبنان، رغم وفرة العقول، يعيش مفارقة صارخة: نُنتج أفكارا لا تُنتَج فعلاً، نُصدّر شهادات لا منتجات، ابتكارٌ رمزيّ لا عمليّ: يُسجَّل الاختراع، تُمنح الشهادة، ثم يعود صاحبها إلى يومه كأنّ شيئا لم يكن.

يحدّد القانون اللبناني رقم 240 (7 آب 2000) معايير منح براءة الاختراع: أن يكون جديدا، يتضمّن خطوة ابتكارية، وقابلاً للتطبيق الصناعي، غير أنّ التطبيق يعتمد التقييم الشكلي لا الفحص العلمي. ووفق تقرير Lebanon Law Review (2023) ، فإنّ «مكتب الملكية الفكرية لا يجري فحصا تقنيا متعمقا قبل المنح»، ما يجعل النظام عرضة للأخطاء والتكرار، إذ يمكن تسجيل اختراع حتى لو وُجد شبيه له في الخارج طما دام لم يُكتشف التشابه. ويعتمد لبنان نظام الإيداع لا الفحص (Deposit System)، أي النهج الأوروبي لا الأميركي، بحيث يكتفي رئيس المصلحة بالتحقّق من اكتمال المستندات، دون التثبّت من الجِدّة أو النفع أو الأصالة. وتؤكّد المادة 16 من القانون أنّ البراءة تُمنح «من دون التأكد من صحة الابتكار أو قيمته أو جدّته أو نفعه»، ما يضعف مصداقية النظام، ويخلق نزاعات بين طالبي الحماية. كما تعاني الإدارة من ضعف الكفاءة، فالموظفون مثقلون وغير مهيّئين لمجاراة التطوّر التقني، ما يؤدي إلى قرارات غير دقيقة وسلسلة طعون متكرّرة.

اللقب يُعلَّق قبل الإنجاز

في لبنان يسارع كثيرٌ من حاملي براءات الاختراع، إلى إضافة صفة «المخترع» أمام أسمائهم في المناسبات وبطاقات التعريف والسير الذاتية والتواصل الاجتماعي، وكأن اللقب يغني عن الإنجاز. يفاخر الشخص بثلاث أو أربع أو خمس براءات خلال سنوات قليلة كأوسمةٍ، فيما معظمها لا يجاوز الورق: لا تطبيق ولا أثر علمي أو صناعي أو تجاري. كيف يصير اللقب هويةً اجتماعية، قبل أن يصير الاختراع منتجا؟ هكذا يغدو "الاختراع" فعلا ورقيا لا إنجازا علميا متراكما. هذه الظاهرة تكشف اختلال الوعي بقيمة الابتكار: نعامل الفكرة المسجَّلة كإنجازٍ منتهٍ، لا كبداية مسارٍ من البحث والتجريب والإنتاج.

ومع غياب المتابعة المؤسسية تتحوّل الشهادة إلى وسامٍ اجتماعي، فيما المخترع الحقيقي في منظومة علمية، لا يحمل اللقب إلا بعد إثبات الأثر في الميدان أو السوق أو المختبر. وتؤكد دراسة نشرتها Technological Innovation Management Review (2023) أن «الانتقال من هوية المخترع الورقي إلى المبتكر المنتج، يتطلّب منظومةً تربط الاعتراف بالإنجاز»، وأن «المجتمعات التي تُكافئ الشهادة قبل النتيجة تقتل الدافع إلى التجريب». وهذا ما يحدث لدينا: اللقب يُعلَّق قبل الإنجاز، فيتحوّل الابتكار إلى صورةٍ تُشبع حاجة الاعتراف أكثر مما تُلبّي حاجة التقدّم.

في دولٍ أخرى تُعَدّ براءة اختراع واحدة إنجازا علميا واقتصاديا، يحتاج سنواتٍ من البحث والتجريب والدعم، ويُقاس بمدى التطبيق أو الترخيص أو مساهمته في تطوير قطاع. أمّا في لبنان فصار عدد البراءات معيارا زائفا للتميّز، على ما تسمّيه Asia IP Law (2024) "اقتصاد الكمّ" الذي يقيس النجاح بعدد الأوراق لا نوعية الأفكار. هذا التضخّم لا يدلّ على نهضةٍ ابتكارية، بل على خللٍ في فلسفة التقييم: غابت معايير ربط البراءة بالتنفيذ، وغابت مؤسسات لفرز الجيد من الهشّ، فبات ممكنا أن يُسجّل فردٌ خمسة «اختراعات» لا يُختبَر أيٌّ منها، بينما يُهمَّش الباحث الجادّ بمشروعٍ واحدٍ حقيقي. هكذا تتحوّل الطفرة من علامة حياةٍ فكرية، إلى فقاعةٍ ابتكارية تُنتج ضجيجًا أكثر مما تُنتج قيمة.

تضخّم البراءات بلا قيمة اقتصادية!!!

هذه الظاهرة لا تقتصر على لبنان، بل تكرّرت في دولٍ أخرى، حيث طغى الكمّ على النوع. في تقرير Asia IP Law (2024) Patents: Quality versus Quantity، حذّر الباحثون من تضخّم البراءات بلا قيمة اقتصادية، إذ يُخفي الكمّ ضعفا بنيويا في الجودة، ويُكرّس «اقتصاد الشهادات» على حساب «اقتصاد المعرفة»، فتتضخّم الأرقام بلا أثر، وكثيرٌ من البراءات لا يتجاوز الورق، وهو ما يطابق حال لبنان، حيث تزدحم الملفات وتخلو السوق من الأثر.

ويشير تقرير CIGI What Do China’s High Patent Numbers Really Mean? إلى أنّ الطفرة الصينية كانت مدفوعة بسياسات الحوافز أكثر من ابتكارٍ فعلي، وأنّ جزءا كبيرا منها لم يُطبَّق صناعيا أو تجاريا.

وفي المقابل، تُظهر دراسة في Technological Forecasting & Social Change (2024) حول مكاتب نقل التكنولوجيا، أنّ ضعف الربط بين الجامعات والقطاع الصناعي، حوّل كثيرا من البراءات إلى innovation dead ends — ابتكاراتٍ تتوقّف عند التسجيل. وتؤكّد WIPO في World Intellectual Property Indicators 2024 أنّ الزيادة العالمية في أعداد البراءات، لا تُقابلها زيادة في الاستخدام التجاري أو القيمة الاقتصادية المضافة.

نظام يُراكم شهاداتٍ بلا أثر

أمّا في لبنان، فيُظهر Lebanon Law Review (2023) أنّ الفحص يركّز على الشكل القانوني أكثر من المضمون، بينما تؤكد مذكرة U.S. International Trade Administration (2024) أنّ «التسجيل لا يستلزم فحصا فعليا لعناصر الجِدّة والمنفعة والابتكار»، ما يجعل النظام يمنح شهاداتٍ لأفكارٍ بلا أصالة أو قابلية تنفيذ. كلّ هذه المؤشرات تُظهر أنّ الخلل لا يكمن في قلّة العقول المبدعة، بل في نظامٍ يمنح الألقاب بلا مساءلة ويُراكم شهاداتٍ بلا أثر، فيتحوّل الابتكار من أداةٍ للتنمية إلى مشهدٍ رمزيٍّ يُنتج الأوهام أكثر مما يُنتج القيمة.

في الأنظمة المتقدّمة لا وجود لـ«لقب مخترع» بمعناه الاحتفالي، بل صفة قانونية لا تُمنح إلا بعد فحص علمي وتقني يثبت أصالة الفكرة وقابليتها للتطبيق الصناعي. في الولايات المتحدة يُراجع مكتب البراءات (USPTO) التقنيات السابقة ويُطبَّق منذ 2013 مبدأ «الأوّل في الإيداع» لربط الاختراع بالإنتاج لا بالمجرّدات.

أمّا الصين فبعد طفرة كمّية غذّتها الحوافز اكتشفت محدودية الأثر، فألغت منذ 2021 مكافآت العدد، وحاربت «البراءات الوهمية» مفضِّلةً الجودة على الكمّ، فانخفضت الأعداد وارتفعت النوعية.

وفي أوروبا يفرض المكتب الأوروبي للبراءات (EPO) أن يكون المخترع طبيعيا ببرهان الأصالة والفائدة الصناعية، ويمنع براءات الأفكار المجرّدة أو التحسينات الطفيفة: هناك يُمنح اللقب لمن ابتكر وأثبت. وهنا في لبنان، غالباً لمن أودع طلبا فقط، من دون أن نعي أنّ الاعتراف لا يُمنح لمن يسجّل فكرة، بل لمن يغيّر واقعا.

اسباب تفسي الظاهرة

في لبنان، تفشّت الظاهرة لأسباب مترابطة:

- أوّلاً: ثقافة الاستسهال والتكريم، إذ يميل المجتمع إلى الشكل لا الجوهر، فصار لقب «مخترع» وسيلةً للظهور والاعتراف في مجتمعٍ يعاني أزمة هوية وفراغا في الإنجاز، فتُكرِّم المدارس والبلديات الحاصلين على الشهادات، بدل القادرين على تحويلها إلى منتجات، فغدت البراءة غايةً لا وسيلة.

- ثانيا: غياب الحوكمة والمؤسسات الداعمة، فلا حاضنات تتابع، ولا تمويل أو "شراكات" جامعية – صناعية، وقد أشار تقرير ESCWA (2017) إلى ضعف التكامل بين الجامعات والصناعة وغياب السياسات التي تربط البحث بالتنمية.

- ثالثا: نظام منحٍ شكلي لا مضموني، إذ تُراجَع الطلبات إجرائيا دون فحصٍ علمي، ما يسمح بمرور أفكارٍ مكرّرة أو معدّلة تعديلا طفيفا.

- رابعا: انعدام المتابعة بعد المنح، فلا جهة تراقب مصير الاختراع أو أثره، وقد بيّنت Technological Forecasting & Social Change (2024) أنّ غياب المساءلة بعد المنح، سببٌ رئيس لتراجع القيمة الاقتصادية للابتكار في النماذج الشكلية.

- خامسا: غياب الوعي الاقتصادي، حيث يُنظر إلى الاختراع كإنجاز شخصي لا كمشروع استثماري، فتُحرَم الأفكار من التحول إلى شركات ناشئة أو أدوات إنتاج وطنية.

الحلّ التنظيم لا القمع

إذا كانت الطفرة تعبّر عن طاقة شبابية وإبداعية، فالحلّ تنظيمها لا قمعها: ليس إطفاء الحلم، بل منحه إطارا يحميه من التبدّد عبر حوكمة الابتكار، منظومة تربط الفكرة بالبحث والتمويل والإنتاج والتقييم ، ضمن مسارٍ مؤسسي شفاف. وترتكز هذه الحوكمة على أربعة محاور:

1- حوكمة المنح بإعادة آليات إصدار البراءات إلى مراجعة علمية محكّمة يشارك فيها أكاديميون ومهندسون وصناعيون لا موظفون فحسب.

2- حوكمة ما بعد المنح بإنشاء هيئة وطنية تتابع المشاريع بعد التسجيل وتفرض مهلةً للتحويل إلى تطبيقات فعلية مع تقويمٍ دوري للجدوى والتنفيذ.

3- ربط الجامعات بالقطاع الإنتاجي، لتصبح شريكا في التطوير، على غرار تجربة Finland’s Innovation Fund (Sitra) القائمة على الربط بين الطلاب والمصانع والتمويل المشروط بالنتائج والمتابعة الصارمة ؛.

4- إعادة تعريف "المخترع" إعلاميا ، بحيث يصحّح الإعلام الفهم : المخترع من يُحدث تغييرا لا من يملك شهادة، وتغرس المدرسة البحث والتجريب بدل سباق الألقاب. بهذه المقاربة تتحوّل الحوكمة من إجراءٍ تنظيمي إلى ثقافةٍ ووعيٍ جماعي يعيدان للاختراع قيمته الحقيقية.

حان الوقت لنصنع الأثر بدل أن نُراكم الوهم؟

الظاهرة اللبنانية ليست مجرّد حكاية طموح، بل صورة لخللٍ بنيويٍّ يفرغ الإبداع من مضمونه. نحن لا نفتقر إلى العقول، بل إلى البيئة التي تُنضجها وتحوّل الفكر إلى فعل. فكلّ براءة بلا إنتاج فكرة معلّقة، وكلّ لقب بلا أثر مرآة للفراغ. ما نحتاجه ليس مزيدا من «الاختراعات المسجَّلة» بل من الاختراعات القابلة للحياة، تلك التي تُنتج وتُستخدم وتُضيف قيمةً وتُغيّر حياة الناس. الابتكار ليس حبرا على ورق ولا صورةً على جدار، بل منظومة ومسؤولية وشجاعة في تحويل الفكرة إلى أثر.

هنا تبرز الأسئلة: متى ننتقل من ابتكارٍ يُعلَّق على الحائط، إلى ابتكارٍ يُعلِّق عليه أمل وطن؟ ومن يملك الحقّ في تعريف "الاختراع اللبناني"؟ من يسجّل فكرة… أم من يُغيّر واقعًا؟ أليس الوقت قد حان لنصنع الأثر بدل أن نُراكم الوهم؟ 

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب