اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في وقتٍ ينتظر فيه المغتربون اللبنانيون موسمي عيدَي الميلاد ورأس السنة للقدوم إلى البلاد وتمضية عطلة الأعياد، تتصاعد وتيرة الاستهدافات "الإسرائيلية" في مناطق الجنوب والبقاع، ما يثير التساؤلات حول إمكان توسّع رقعة الحرب وامتدادها مجدّداً.

وأمام هذا المشهد الأمني المعقّد، تتزايد مخاوف القطاع السياحي من تداعيات أي عودة إلى جولة جديدة من القتال، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على حركة الوافدين إلى لبنان خلال الفترة المقبلة.

صحيحٌ أنّ القطاع استعاد جزءاً من عافيته في الآونة الأخيرة، بعد موسمٍ صيفي سجّل حركة "جيّدة ومرضية" في أعداد السياح مقارنة بالأعوام الماضية، متجاوزاً عتبة المليون ومئتي ألف زائر، وفقاً للمعنيين، إلّا أنّه سبق أن عانى بشدّة جرّاء الأزمات الاقتصادية والمالية التي أنهكته لسنوات.

فهل يجد القطاع السياحي نفسه مجدداً أمام خطر دفع ثمن حرب جديدة قبيل موسم الأعياد؟


الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية، جان بيروتي، أكّد لـ"الديار" أنّ "المغترب اللبناني سيأتي حتماً لتمضية عطلة الأعياد مع عائلته، لكنّ الوضع الأمني غير المستقر، قد يؤثر سلباً على حركة السياح العرب والأجانب". وأوضح أنّ السياح العراقيين والأردنيين والمصريين قد يترددون في القدوم في ظل التوترات الراهنة، فيما تكاد حركة السياح الأوروبيين تكون شبه متوقفة.

وفي ظل التهديدات الأمنية المستمرّة، التي لم تعد جديدة على الساحة اللبنانية، يعوّل بيروتي على الزيارة المرتقبة للبابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، متوقعاً أن تساهم في تنشيط القطاع.

وأشار بيروتي إلى أنّ "عيد الميلاد يحرّك عادةً الأسواق التجارية، بينما ترتفع نسبة اشغال القطاع بشكل أكبر خلال عيد رأس السنة بفعل العطل الرسمية في عدد من الدول العربية".

وأكّد بيروتي أنّنا "لم ننقذ بلدنا بعد"، مشدّداً على ضرورة الاصطفاف خلف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة للخروج من الأزمة الراهنة، "وإلا سنبقى نعاني من الأزمات"، على حد تعبيره.

وردّاً على سؤال عمّا اذا كان القطاع قد استعاد عافيته في الصيف، أوضح بيروتي أنّ "الحرب الإسرائيلية الإيرانية أعاقت حركة الطيران، ما أدّى إلى عرقلة الرحلات لمدّة شهر ونصف خلال فترة تمتد على ثلاثة أشهر من الموسم السياحي، وهو ما أثّر على النشاط السياحي عموماً".

وأشار بيروتي إلى أنّ "القطاع المطعمي"، الذي يعتمد بشكل أساسي على الداخل اللبناني، ناشط ولافت، متمنياً أن يحقّق المزيد من الزخم.

وعن توقعاته لأرباح العام 2025 مقارنة بالسنوات الخمس الأخيرة، أعرب بيروتي عن أمله في أن تقارب نتائج هذا العام أرقام 2023 التي اعتُبرت جيدة جداً في أول تسعة أشهر، مشيراً إلى إمكانية تحقيق قطاع المطاعم لأرقام مماثلة، فيما قد تتراوح نسب الإشغال في القطاع الفندقي بين 80% و90% تبعاً للمؤسسة والمنطقة.

ورأى بيروتي أنّ "لبنان لا يعيش اليوم "المجد" السياحي الذي عرفه في سنوات الذروة ما بين عامي 2009 و2010"، مشيراً إلى أنّ البلاد تنتظر عودة حركة السياحة من الأسواق الأوروبية والبعيدة. وبرغم أنّ أبناء الاغتراب يقصدون لبنان أساساً في فصل الصيف، عبّر بيروتي عن أمله في أن تتحول زياراتهم إلى وتيرة مستمرة على مدار السنة.


بدوره، أوضح نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري، خالد نزهة، أنّ "القطاع يعيش حالة من الترقّب والحذر بفعل التهديدات الأمنية اليومية التي تطاول بيروت والجنوب والبقاع، ما قد يؤدي إلى تباطؤ في الحركة".

وأكّد نزهة في حديثه لـ"الديار" أنّ القطاع يعوّل على موسم الأعياد وعودة المغتربين اللبنانيين من الدول العربية والإفريقية والأجنبية، مستبعداً في الوقت نفسه قدوم المغتربين من الدول البعيدة كأميركا وكندا وأستراليا.

كما لفت نزهة إلى أنّ "الفئة التي اضطرت إلى الهجرة القسرية بعد عام 2019 كانت رغم ذلك تواظب على زيارة لبنان في مختلف الظروف"، معتبراً أنّ "الحركة ستكون لافتة في حال بقي الوضع مستقراً".

وأكّد نزهة أنّ "النقابة تعمل وتطمح للوصول إلى سياحة مستدامة، إلا أنّ ذلك يتطلّب استقراراً سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً ومالياً". كما تطرّق إلى الأزمة المالية التي أدّت إلى خسارة اللبنانيين ودائعهم، مشيراً إلى أنّ معظم المتضررين ينتمون إلى الطبقة الوسطى.

واعتبر نزهة أنّ "الكلفة التشغيلية المرتفعة تشكّل اليوم تحدّياً كبيراً أمام تحقيق الأرباح، إذ إنّ هذا القطاع الحيوي الذي يشغّل آلاف اللبنانيين يدفع ثمناً باهظاً نتيجة ارتفاع تكاليف الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية".

وأضاف أنّ "القطاع يحتاج إلى حركة سياحية مستمرة طوال الأسبوع، لا أن تنحصر بعطلة نهاية الأسبوع فقط"، مشيراً إلى أنّ "تقييم هذه الحركة لا ينبغي أن يقتصر على الوسط التجاري وساحل المتن، بل يجب أن يشمل مختلف المناطق من البقاع والجنوب إلى الجبل والشمال ومحيط بيروت".

وعن التسهيلات المقدمة من وزارة السياحة، رأى نزهة ضرورة رفع الميزانية المخصّصة للقطاع، باعتبار أنّ السياحة تشكّل الأمل الأول والأخير لجذب الزوار إلى لبنان، مؤكداً أهمية وجود بنية تحتية متينة.

وأشار نزهة إلى أنّ القطاع السياحي، الذي يُعدّ ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد اللبناني، نجح في تصدير المطابخ اللبنانية والعلامات التجارية إلى الخارج.

كما أكّد أنّ "المؤسسات السياحية، رغم الأزمات التي مر بها لبنان، استطاعت ترميم نفسها واستعادة نشاطها، بل وتوسيع حضورها في الخارج واسترجاع بعض أصحاب الخبرات الذين هاجروا خلال السنوات الماضية". وأرجع ذلك إلى إصرار أصحاب المؤسسات وعزمهم على النهوض مجدّداً بالرغم من كل التحديات والظروف القاسية.

ولفت نزهة إلى أنّ صيف هذا العام شهد ازدهاراً، لكنه غير كافٍ لتحقيق إنتاجية عالية في ظل غياب الاستقرار، مشدّداً على أهمية توفير الرحلات الجوية منخفضة التكلفة لجذب المزيد من الزوار.

وأعرب نزهة عن أمله في عودة السياح العرب نظراً لطول مدة إقامتهم وحجم إنفاقهم المرتفع مقارنة بغيرهم، مؤكّداً "امتلاك لبنان جميع مقومات السياحة، من دينية وطبية وثقافية وتعليمية وأثرية وغيرها".

وتحدّث نزهة عن اتفاقيات التعاون الموقعة بين النقابة وعدد من الجامعات، لا سيّما مع الجامعة اللبنانية الأميركية، الهادفة إلى دعم الطلاب المتخصصين في قطاعي الضيافة والمطاعم في لبنان ومساندتهم في وجه الأعباء الأكاديمية.

وختم نزهة بالتأكيد على أنّ "القطاع السياحي سيبقى القطاع الواعد في لبنان، شرط أن تتمكن الدولة من توفير مقومات السياحة المستدامة من خلال بنية تحتية حديثة وتشريعات متطورة تواكب التطورات العالمية".

في المحصلة، يبقى المشهد السياحي معلّقاً على تطوّر الأوضاع في الأيام المقبلة: فهل ينجح لبنان في إنقاذ موسمَي الميلاد ورأس السنة، أم يجد القطاع نفسه مجدّداً ضحية تصعيد "إسرائيلي" قد ينسف آمال الانتعاش؟

الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»