اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في العام 2014، عندما كنت سفيراً في كوبا، ووسط التفاعل مع سلكٍ ديبلوماسي أجنبي تخطّى المئة، أذكر كم كان غنياً التواصل مع السفراء المعتمدين من النواحي السياسية والاقتصادية والفكرية.

ولقد أدّى هذا التبادل في الأفكار والمعلومات إلى أجواء وديّة، أفسحت لي في المجال للتناقش حول إمكانية خلق شبكة تواصل فكري بين الديبلوماسيين، بهدف تعزيز السلام في العالم، الذي عانى وما زال يعاني من آفات الحروب والفتن والكراهية...

ولقد بدا لي هذا التقارب والتعاون بين دبلوماسيّي العالم ممكناً ، خاصةً في هذا الزمن المتمايز بالعولمة وبزوال الحدود بين الدول والشعوب. كما شعرنا نحن الديبلوماسيين بانحسار دورنا، في ظلّ التطور التكنولوجي الذي مكّن رؤساء الدول ووزراء الخارجية من التواصل المباشر والسريع بينهم، ولاسيما بعد تضاؤل طابع السريّة في العلاقات الديبلوماسية.

تجاه هذا الواقع، بات لزاماً علينا أن نفكر باستعادة دورنا الديبلوماسي الأساسي، وهو «التخفيف من التوتر وتعزيز التفاهم» كما أكّد رجل الدولة البريطاني «أنطوني إيدن». ومن هذه المقاربة، تبادرت إلى ذهني فكرة «سفراء بلا حدود» ، وعمدتُ إلى تسجيلها في إحدى المؤسسات كملكية فكرية بإسمي الشخصي.

وبعد أن غادرتُ إلى أرمينيا لاستلام مهامي الديبلوماسية، قمت بإطلاق هذه الفكرة وتنفيذها على طريقتي الخاصة بانتظار أن تنضج وتتبلور وتنمو.

} جوهر فكرة سفراء بلا حدود }

ما هو جوهر فكرة سفراء بلا حدود؟ عندما أطلقتُها أمام السلك الديبلوماسي في أرمينا، قلت إننا نحن السفراء جئنا من بلدانٍ عدة ومن مختلف بقاع الأرض، وكلٌّ منا يعمل لمصلحة وطنه، وإذا كانت الجغرافيا والمصالح قد فرّقت بيننا، فإنّ ما يجمعنا هو رسالة سامية لا يوجد أرقى منها رسالة، وهي نشر وتعزيز السلام في العالم. وإنّ الوسيلة الفضلى للترويج للسلام هي الديبلوماسية. ولمّا كنا نحن سفراءها في العالم، فإنّ من أولى واجباتنا أن نتولّى هذه المهمة.

كما أضفتُ أنه يترتّب على الديبلوماسيين في جميع أنحاء العالم، أن يرفعوا أصواتهم للمناداة بالحوار لدى نشوء أي أزمة تهدّد بالحرب، بهدف تجنّبها، علّها تُحلّ عن طريق تسوية معينة، وذلك في إطار ما يُسمّى بالديبلوماسية الوقائية، وإنّ على الديبلوماسيين أن يستغلّوا مواقعهم، لكي يلفتوا نظر رؤسائهم، ويضغطوا عبر الوسائل المتوافرة لهم، لاسيما لدى المنظمات الدولية وغير الحكومية، من أجل تنبيه الرأي العام إلى مخاطر الحروب ، والسعي إلى التفتيش عن بدائل للحروب قبل اندلاعها، والتي تكلّف الطرفين العديد من القتلى والجرحى والدمار، والمؤدية حتماً إلى نشر روح الكراهية والانتقام بين شعبيهما.

ولأنه ماذا ينفع الحوار بين الطرفين المتنازعين بعد اندلاع الحرب وانتهائها، إذا جلسا بعدها حول طاولة مستديرة للتفاهم على تسوية معينة على حساب دم الشهداء ووجع الجرحى وفداحة الدمار؟

لذلك، هدفت فكرة سفراء بلا حدود إلى لفت انتباه المجتمع الدولي إلى مساوئ الحروب، وتأمل منه الضغط على أطراف النزاع، لإيجاد حلّ في إطار تسوية مسبقة ، بدلاً من تسوية متأخرة تكون ضحيتها الشعوب التي لا ذنب لها.

بوحي هذه المقاربات، وبهدف البدء بنشر الفكرة، نظّمتُ لقاءات حوار شهرية في دار السفارة في إطار غداء عمل، دعوت إليه أعضاء السلك الديبلوماسي والسياسيين، للاستماع إلى محاضرة من قبل أحد السفراء، أو أحد المؤثّرين على الرأي العام. وقد تلتها أسئلة وأجوبة حول موضوع المحاضرة. وتعاقب على الكلام تحت عنوان سفراء بلا حدود المحاضرون التالون:

تحدّث سفير روسيا عن أولويات السياسة الروسية الخارجية، كما تحدّث سفير الولايات المتحدة عن دور المجتمع المدني. أما وزيرة العدل فتطرّقت إلى كيفية محاربة الفساد، في حين عالج سفير فرنسا أولويات السياسة الفرنسية الخارجية. ثمّ ناقش سفير ألمانيا مع سفيرة بريطانيا موضوع BREXIT.أما المحاضرة الأخيرة فلقد ألقاها كاثوليكوس عموم الأرمن، وهو أعلى سلطة دينية أرمنية، تحدّث عن دور الكنيسة الرسولية في نشر السلام.

ودأبت على نشر فكرة سفراء بلا حدود خلال مهمتي الديبلوماسية في الكويت ، فنظمت في دار السفارة ودائماً بوحيٍ من هذه الفكرة سلسلة لقاءات فكرية، فدعوت الشيخة انتصار السالم العالي الصباح، رئيسة مبادرة النوير للإيجابية، حيث تحدثت عن حق الجميع في السعادة والعدل. كما لبّى دعوتي مصرفيان كبيران، السيد جورج ريشاني والدكتور سعاده الشامي، اللذان تحدّثا عن أسباب الأزمة المالية في لبنان وسبل حلّها. ولقد حضر هاتين المناسبتين عدد كبير من أبناء الجالية اللبنانية والفاعليات الكويتية والسفراء المعتمدون.

لقد لاقى هذا النشاط الثقافي ترحيباً من قبل جميع السفراء والحاضرين، لأنه جسّد فكرة جديدة من حيث الشكل والجوهر، ولأنه عزّز الحوار والتقارب بين السفراء، كما ألقت الضوء على أهمية دورهم في التفاعل الفكري، والأهم من ذلك أنّ هذا النشاط قد ساهم في إعطاء صورة مشرقة للحاضرين عن لبنان بأنه وطن الثقافة والحوار، وهذا ما عبّر عنه السفراء في كتب الشكر.

لكنّ ما يحزّ في النفس أننا نبذل الجهود في بعثاتنا لإعطاء صورة جميلة عن لبنان، في حين يسعى السياسيون في لبنان إلى تشويه هذه الصورة.

} الاتجاهات الفكرية الداعمة }

ما هي الاتجاهات الفكرية التي تدعم فكرة سفراء بلا حدود؟ الكاتب الأميركي Lawrence Freedman، مؤلف كتاب STRATEGY، أشار إلى أهمية الوصول إلى تسوية عن طريق الديبلوماسية بين طرفَي النزاع، أو التفتيش عن بديل آخر مثل استعمال وسائل الضغط الاقتصادي، كما يتبين من المقتبس التالي:

«If it was bound to end with a compromise, why not settle the matter with diplomacy before blood was shed, or look for alternative-possibly economic-forms of coercion?»

وفي العام 1936، تساءل الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت كيف أنّ عبقرية الإنسان التي اخترعت أسلحة الموت، قد فشلت في اكتشاف وسائل حفظ السلام.

كما أنّ مؤلف كتاب How to run the world، Parag Khanna، قد شرح كيف أنّ السفراء أصبحوا يتواصلون مع بعضهم أكثر من تواصلهم مع وزراء خارجيتهم، ما عزّز لديهم الشعور بأنه من أولى مهامهم السعي إلى السلام.

«When Ambassadors began to spend more time with one another than with their own national ministers, there have been diplomats who feel a higher calling in their duty to peace than to their prince».

وهكذا، نشأت فكرة سفراء بلا حدود وبدأت تنضج في عقولنا، وهي في حاجة لأن تنتشر وتتعمق جذورها في الأوساط الديبلوماسية، وأن تجد لها مكاناً مميزاً تحت الشمس.

ولما كانت الظروف التقنية ملائمة بفعل تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، فإننا نطمح إلى انتشار هذه الفكرة عبر Digital Diplomats أي «الديبلوماسيون الرقميون»، لكي يتمكن ديبلوماسيو العالم من إيصال صوتهم الداعي إلى السلام ونبذ الحرب، ولكي يكونوا قوّة ضاغطة على الحكّام والهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية، للعمل من أجل تجنّب الحرب، وتأمين الحوار لبلوغ التسوية قبل الحرب وليس بعدها.

إنّ الآمال معلّقة على «الديبلوماسيين الرقميين» للتواصل في ما بينهم، وبالتالي نشر فكرة «سفراء بلا حدود» ومبادئها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء موقع إلكتروني خاص بها. إنّ مقدرة السفراء في التأثير الإيجابي على الرأي العالمي للترويج للسلام لهي كبيرة.

وأخيراً، للدلالة على قوّة تأثير الديبلوماسيين، فلقد أجرينا بحثاً حول عدد الديبلوماسيين في العالم، فلم نجد إحصاءً دقيقاً، لكن تبين لنا وجود 7314 بعثة ديبلوماسية في 61 دولة. تعذّر علينا معرفة عدد الديبلوماسيين في كل بعثة، أما الواضح لدينا أنه توجد 276 بعثة للصين في العالم، و273 بعثة للولايات المتحدة في العالم، وأنّ عدد ديبلوماسيّي هذه الأخيرة وحدها بلغ حوالى 13770 ديبلوماسياً.

*دكتور في القانون العام

الأكثر قراءة

أجــواء ضـبـابـيــة قـــبل مـفـاوضــات رومــــا جلسة تشريعية الأسبوع المقبل: زيادة الرواتب وإلغاء الإعدام والعفو العام