اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تُعتبر المضادات الحيوية من أهم الاكتشافات الطبية في القرن العشرين، إذ أنقذت ملايين الأرواح من الأمراض البكتيرية الخطرة. ومع ذلك، أصبح الإفراط في استخدامها مشكلة صحية عامة عالمية، تتجاوز نطاق مقاومة البكتيريا لتشمل تأثيرات غير متوقعة في الجسم والعقل. فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية يمكن أن يربك صحة الإنسان النفسية، ويؤثر في المزاج والقدرة على التحكم في التوتر والقلق.

فالسبب الرئيسي لهذه العلاقة يكمن في محور الأمعاء-الدماغ، وهو الرابط الذي يربط بين الجهاز الهضمي والدماغ عبر الأعصاب والهرمونات والمواد الكيميائية الحيوية. يحتوي الجهاز الهضمي على تريليونات من البكتيريا المفيدة، المعروفة باسم الميكروبيوم المعوي، والتي تؤدي دورًا محوريًا في إنتاج الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، المسؤولة عن تنظيم المزاج والنوم والشهية.

لكن عند الإفراط في تناول المضادات الحيوية، تتعرض هذه البكتيريا النافعة للضرر، مما يؤدي إلى اختلال التوازن الميكروبي في الأمعاء. هذا الخلل ينعكس على الدماغ، ويؤدي إلى زيادة مستويات القلق والاكتئاب، واضطرابات النوم، وتقلبات المزاج. وقد أشارت دراسة طبية إلى أن الأشخاص الذين يتناولون المضادات الحيوية بشكل متكرر لديهم ميل أكبر للشعور بالضغط النفسي والتوتر المزمن.

إنّ الإفراط في المضادات الحيوية لا يقتصر تأثيره على الصحة النفسية المؤقتة، بل يمتد ليشمل آثارًا طويلة المدى على وظائف الدماغ. تشير بعض الدراسات إلى أن اختلال الميكروبيوم المعوي المزمن يمكن أن يؤثر في الذاكرة والتركيز، ويزيد من احتمالية الإصابة باضطرابات عصبية مثل القلق المزمن والاكتئاب. كما أن الأطفال والمراهقين، الذين لا يزال ميكروبيومهم يتطور، يكونون أكثر عرضة لتأثيرات هذه المضادات في صحتهم النفسية والسلوكية.

فتؤكد المنظمات الصحية العالمية على ضرورة استخدام المضادات الحيوية بشكل مسؤول وحسب الحاجة الطبية، وتجنب الإفراط فيها لمجرد الوقاية أو علاج نزلات البرد والإنفلونزا، التي غالبًا ما تكون فيروسية ولا تستجيب للمضادات الحيوية. كما ينصح الأطباء بمراقبة الأعراض النفسية لدى المرضى الذين يتلقون مضادات حيوية قوية أو لفترات طويلة، والتعامل معها من خلال دعم التغذية الصحية، والبروبيوتيك، وممارسة الرياضة، وتقنيات التخفيف من التوتر مثل التأمل واليوغا.

في ضوء هذه الحقائق، يصبح التثقيف الصحي والوعي المجتمعي عنصرًا أساسيًا للحد من الإفراط في المضادات الحيوية وحماية الصحة النفسية. يجب على المرضى والأطباء على حد سواء فهم المخاطر النفسية المرتبطة بالاستخدام غير المسؤول، والعمل على تطوير سياسات طبية تشمل الوقاية، الاستشارة الطبية الدقيقة، والتشخيص السليم قبل صرف المضادات الحيوية.

إلى ذلك، الإفراط في استخدام المضادات الحيوية يمثل تهديدًا مزدوجًا للصحة الجسدية والنفسية. فالخطر لا يقتصر على مقاومة البكتيريا، بل يشمل اختلال توازن الأمعاء وتأثيراته في المزاج والسلوك والوظائف العقلية. لذلك، أصبح من الضروري الالتزام بالاستخدام الرشيد، وتبني نمط حياة صحي يدعم الميكروبيوم المعوي، للحفاظ على الصحة النفسية إلى جانب الجسدية، وضمان جودة حياة أفضل للمرضى من جميع الأعمار. 

الأكثر قراءة

ترامب يتراجع خطوة إلى الخلف... ودول الخليج والإقليم انفرجوا احتدام الكباش بين حزب الله و«القوات» تعثر «الميكانيزم» لا ينعكس على الأرض جنوبا