اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في سفح جبل الشيخ الغربي، عند مثلث حدود فلسطين المحتلة وسوريا وأطراف حدود لبنان، تنتصب قلعة راشيا شامخة بحجارتها الصلبة وإرادة أبنائها الحاضرة دائماً عند حدود الجغرافيا وفي كتب التاريخ.

من بين ثنايا حجارة هذه القلعة وُلد استقلال لبنان عام 1943، وهو يتجسّد اليوم بواقعٍ معاشٍ جديد.

طوى الدهر ثلاثة وثمانين عاماً من عمر القلعة، وهي تعود اليوم بحلّة وطنية نادرة ومختلفة، بحلّة جديدة مميّزة بالصوت والصورة، ترسم بلمساتها واقع حقبة تاريخية في لوحات فنية نابضة بالحياة.

يتجسّد الاستقلال في قلعة راشيا اليوم بطريقة مختلفة، حاملاً ما تبقّى من رسائل وذكريات لماضٍ أليم. فمن خلال الرسائل التي خلّفها ضباط وجنود الحامية الفرنسية والأفريقية، ما زالت الشواهد حاضرة على أن الفرنسيين مرّوا من هنا قبل 83 عاماً في 22 تشرين الثاني.

مراسلات مكتوبة بخط اليد، وصور خاصة لعائلات الجنود والضباط كان ينقلها سعاة البريد حينذاك بين لبنان وفرنسا وأفريقيا، ما زالت محفوظة ليطّلع عليها الأجيال وطلاب المدارس في رحلاتهم السياحية والتاريخية إلى القلعة. وفي بعضها شرح لواقع لحظات وساعات خوف عاشها هؤلاء الضباط والجنود داخل القلعة في لحظات أشد هولاً بعد اندلاع الثورات الشعبية الكبرى التي سقط فيها عشرات الشهداء من الثوار وطلاب المدارس من مختلف أنحاء لبنان، وقد حُفرت أسماؤهم وتواريخ استشهادهم على لوحات في باحة القلعة.

رسائل خاصة ومقتنيات تُركت على عجل في غرف الحراسة في سجن قلعة راشيا: أسرّة حديدية قديمة، وبنادق آلية وغير آلية صدئة، وجعب وصناديق ذخيرة فارغة، وملابس خاصة، وكراسٍ حديدية، ووثائق تاريخية وُزّعت داخل غرف الاحتجاز والحرس والتحقيق وصالة الميثاق وغرف السجن والنوم ومدخل البهو الخارجي، بترتيب عالٍ وتقنية فائقة.

تعديلات جدّية خطّتها أيادٍ متخصصة أُدخلت إلى القلعة، فحوّلتها إلى متحف تاريخي ينبض بالحيوية والحركة، من خلال تقنيات حديثة أُضيفت إلى الجماد والصور باستخدام الهولوغرام والذكاء الاصطناعي (A.I)، لتعيدك بالمشهد إلى حقبة تاريخية بين 11 و22 تشرين الثاني، على مدى أحد عشر يوماً عصيباً قضوها في سجون قلعة راشيا عام 1943 بسبب تحركاتهم الاستقلالية في مواجهة التعنّت والرفض الفرنسي لتعديل الدستور وإلغاء المواد التي تمنح فرنسا حق التدخل في الشؤون اللبنانية.

أكثر ما يلفت النظر طربوش النائب والوزير السابق، رجل الاستقلال عبد الحميد كرامي، في غرفة سجنه. وفي الغرفة الملاصقة لغرفة التحقيق، وُزّعت ملابس رجال الاستقلال الرسمية إلى جانب أسرّة نوم حديدية قديمة لا تختلف عن أسرّة جنود الحراسة. ويتلو رئيس الجمهورية بشارة الخوري بيان تعديل الدستور ووثيقة الاستقلال بالصوت والصورة بتقنية الذكاء الاصطناعي.

وفي البهو الخارجي لوحة فسيفسائية باللونين الأسود والأبيض تجمع رجالات الاستقلال الثمانية: رئيس الجمهورية بشارة الخوري، رئيس الحكومة رياض الصلح، وزير المالية كميل شمعون، وزير التموين عادل عسيران، وزير الخارجية والأشغال العامة سليم تقلا، النائب والوزير السابق عبد الحميد كرامي، وزير الخارجية والأشغال العامة صبري حمادة، ووزير الدفاع مجيد أرسلان.

وخلال جولة للإعلاميين في متحف الاستقلال، رأى عضو اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور أن متحف قلعة راشيا يجسّد بدقّة الواقع السياسي والتاريخي الذي ساد عشية الاستقلال، من خلال الغرف التي ضمّت الوزراء ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، إضافة إلى غرفة الضابط الفرنسي، موضحاً أن المتحف يحمل طابعاً تعليمياً يهدف إلى إحياء الذكرى الوطنية وتعريف الأجيال على الحيثيات التاريخية والسياسية التي أدّت إلى نيل الاستقلال.

وأشار أبو فاعور إلى أن الطموح يتمثّل في تحويل المتحف إلى مقصد وطني لكل اللبنانيين، ولا سيما طلاب المدارس والجامعات، كاشفاً عن العمل بالتعاون مع البلدية على توقيع اتفاقية مع وزارتي الثقافة والتربية، لتشجيع الطلاب على زيارة المتحف والاطلاع مباشرة على تاريخ استقلالهم، بعيداً عن الاكتفاء بقراءته في الكتب المدرسية.

وتوجّه أبو فاعور إلى وسائل الإعلام داعياً إيّاها إلى نقل جمالية راشيا وأهمية المتحف، لما لذلك من دور في تحفيز اللبنانيين على زيارته واستعادة تلك اللحظة الوطنية الجامعة.

وفي حديث خاص لـ«الديار»، أكّد أبو فاعور أن الهدف مما جرى في القلعة هو دمج التاريخ بالحداثة وإعادة إحياء ذكرى الاستقلال بطريقة حداثوية، موضحاً أن إدخال تقنيات الهولوغرام والذكاء الاصطناعي أعطى القلعة طابعاً تعليمياً حديثاً، بحيث يرى الزائر صورة حيّة يتفاعل معها بدلاً من تمثال جامد، ويتفاعل مع مادة حيّة بدلاً من مشاهد ساكنة.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان لبنان مستقلاً برأيه، قال أبو فاعور: «لبنان ليس مستقلاً، ولأن لبنان ليس مستقلاً نعيد إحياء الذاكرة الوطنية علّنا نستنهض إرادة وطنية جامعة تُنتج استقلالاً جديداً».

وعن الحاجة إلى «طاولة ميثاق» كالطاولة الموجودة في قلعة الاستقلال، أجاب: «أكيد نحن بحاجة إلى مثل هذه الطاولة، وبدون طاولة ميثاق وطني لن ننتج استقلالاً حديثاً». 

الأكثر قراءة

مصير مجهول «للميكانيزم» والقائد الى واشنطن بـ3 ملفات «كرة ثلج» تعيين القزي تتدحرج... تمنيات سعودية «للتيار» بعدم التحالف مع حزب الله!