في العقود الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوما نظريا بعيد المنال، بل تحول إلى قوة محركة حقيقية داخل الحقل الطبي بكل مكوناته. لذا، تكمن أهميته في قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة تفوق قدرات المعالجة البشرية التقليدية، وهو ما مهد لدخول تقنيات مثل التعلم الآلي والشبكات العصبية العميقة في قلب العمليات التشخيصية والعلاجية في الطب الحديث.
ومن هذا المنطلق، تُعتمد في الطب العام اليوم، خوارزمياته لتحسين دقة التقدير الطبي، من قراءة الصور الإشعاعية إلى تحليل السجلات الصحية الرقمية والاستبصار بعوامل الخطر قبل أن تتطور إلى أمراض واضحة. وقد أظهرت هذه الأنظمة في بعض الحالات أداءً يُضاهي أو حتى يتفوق على مهارات الأطباء في تحديد بعض الوضعيات، ما أثار تساؤلات مهمة حول حدود دور الحواسيب التنبؤية مقارنة بالدور البشري في الرعاية الصحية.
التمحيص والتقدير
من جانب اخر، عندما نتجه نحو الطب التجميلي والجراحة التجميلية تحديدا، نجد أن هذه التقنيات بدأت تمنح الأطباء أدوات جديدة لدراسة وتقييم التغيرات المتوقعة بعد إجراءات تجميلية معينة، وتقديم تصور مبكر لنتائج العلاج.
من هنا، يثير هذا التقدم استفسارا جوهريا: هل يمكن أن يحل AI مكان الطبيب في المستقبل؟ علميا، الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد نعم أو لا، بل تتطلب فهما نقديا لطبيعة ما تقوم به هذه الأداة. ومع ذلك، تدعم هذه الأنظمة صنع القرار عبر التوقع والتوصيات القائمة على معلومات سابقة، لكنها لا تمتلك الحكم البشري الكامل أو القدرة على فهم السياق النفسي والاجتماعي للمريض بمجمله. لذلك، البرمجيات ليست بديلًا عن الخبرة البشرية، بل وسيلة مساعدة.
AIشريك لا بديل!
في سياق علمي نقدي، فإن التطور الذي شهده الذكاء الاصطناعي في الطب والتجميل لم يأتِ من فراغ؛ بل هو نتيجة تراكم مذهل في قدرات تحليل البيانات وتعلم الأنماط. ورغم أن هذه الأنظمة قادرة بالفعل على تقديم تقديرات دقيقة وتخصيص خطط علاجية أو نماذج توقعات، فإن الطب يبقى مجالا إنسانيا في ماهيته يعتمد على التفاعل المباشر، الحكم السريري، والمسؤولية الأخلاقية التي لا تستطيع الآلة تحملها وحدها. لذا، السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الإنسان، بل كيف سنضمن أن يكون شريكا يعزز العمل الطبي بدلا من تقويضه.
المرونة تجاه الابتكار
وفي هذا الإطار، توضح الطبيبة في الجراحة والطب التجميلي، د. غادة قصير، أن «الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم من أبرز المواضيع في مختلف المجالات، مشددة على أن كل جديد ليس بالضرورة أن يصبح اتجاها رائجا، خاصة عندما يتعلق بتطور علمي حقيقي. ويعد الذكاء الاصطناعي في مرحلته الحالية خطوة علمية مهمة، تماما كما انتقلنا نحن من الهواتف السلكية الى اللاسلكية وغيرها. الأهم من ذلك، برأيي، هو معرفة كيف يمكنني الاستفادة من هذه التقنيات لتعزيز جودة عملي ورفع مستوى الأداء في أي مجال أتواجد فيه. ومن المؤكد أن استثمار هذه التكنولوجيا يمكن أن يسهم بشكل ملموس في تحسين العمل داخل مجال الطب».
وتتساءل: «كيف يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي طرفا أو يفرض نفسه علينا؟ الإجابة مهمة جدًا اليوم، خصوصا عندما نتحدث عن التشخيص، إذ تطرح هذه التكنولوجيا نفسها في الطب عموماً لامتلاكها بيانات ضخمة جدا، ضمن ما نطلق عليه تسمية «التلميذ الذي درس درسه جيدا». هذه البيانات تستطيع مساعدتنا في الدرجة الأولى فيما يتعلق بالتشخيص. وهنا لا نعني الذكاء الاصطناعي التقليدي، وانما الأنواع المتخصصة منه».
وتشرح: «من بين هذه المجالات الطبية، نجد الأشعة وعلوم الأمراض، والتي تقوم على مبدأ التشخيص عادةً باستخدام العين المجردة للحصول على النتائج. اليوم، لم تعد العين مجردة بهذا المعنى، بل أصبحت أوسع، لأنها تشمل بيانات ضخمة وصورا مخزنة تمكنها من تشخيص الأمراض من خلال هذه الصور. وبالتالي، قد يُصبح الاعتماد على بعض هذه التخصصات أقل ضرورة في المستقبل لصالح الذكاء الاصطناعي».
شكل تقريبي
وتكشف لـ «الديار»: في الطب التجميلي الأمر نفسه، فنحن لدينا صورة المريض أو شكله الذي نتطلع إلى تحويله إلى شكل أو مظهر آخر. فالذكاء الاصطناعي لديه القدرة على إعطائنا فكرة عن هذا التغيير الذي نريد إجراؤه، سواء كان عن طريق عملية جراحة الأنف، أو جراحات في الجسم، أو إجراءات مثل البوتكس والفيلر في الوجه. ومن خلاله يمكن تشخيص المشكلة وإعطاء رسم توضيحي يبيّن كيف سيصبح الشخص وما هي المرحلة التالية، أي ما بعد الجراحة، وإلى أين سنصل؛ هذا ما يُعرف بـ (قبل وبعد). من هنا، يكون الذكاء الاصطناعي قادرا على صنعها لنا وعرضها على المريض ليقرر ما إذا كان يقبل هيئته في الصورة الجديدة أم لا، كما يعاوننا على أن نكون أدقّ في التشخيص وما بعد الجراحة».
وتقول: «نستخدم العديد من تطبيقات «الصور ثلاثية الأبعاد»، والتي تزودني بما أحتاج إليه، كما تساعدني على تقييم مخاطر العمليات الجراحية وما بعدها. أي أن البيانات الخاصة بالمريض التي نقوم بإدخالها تنبهنا إلى احتمال نجاح العملية أو فشلها، وكذلك المخاطر المترتبة على هذا الإجراء. اليوم، أصبح جزء من هذه التطبيقات متوفرا في لبنان، وفي العديد من المؤتمرات المتخصصة في هذا المجال».
لا غنى عن الجهد البشري
ولكن السؤال المحوري بشأن التحديات العملية: فعندما أتدخل أنا كإنسان، والجراحات تتطلب تدخلي اليدوي، فهل سيستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل هذه اليد؟
تستطرد: «ربما في المستقبل تتواجد الروبوتات وتُربط بالذكاء الاصطناعي، ونعلم أنه في بعض الاختصاصات حلت الروبوتات محل الإنسان، ولكن الأخير دائما هو من يتابع عملية الإشراف على عملها. لذا، أي شيء يمكن أن يسهم في تحسين عمل الطبيب فهو برأيي أمر إيجابي، إلا أنه حتى الآن لا تستطيع جميع هذه الآلات أن تأخذ مكان الإنسان، وبالتالي تكون جسر الثقة وصلة الوصل، لأن المريض يرتاح نفسيا للطبيب بحضوره الجسدي والروحي. وأيضا، لا يمكننا اعتبار الذكاء الاصطناعي «سوبر» في عمله، لأنه لا يزال هناك هامش من الخطأ، ولا أعلم مدى إمكانية تعديله في المستقبل».
وتشير قصير «إلى تحدٍ آخر يتمثل في تدريب الأطباء على الذكاء الاصطناعي ودخوله الى هذا العالم، كون ذلك أصبح مطلوبا الآن للاستفادة القصوى من التكنولوجيا المتاحة لتطوير عملنا. وتوضح أن لبنان دائما كان سباقا مقارنة بالعديد من الدول الأخرى في إدخال التكنولوجيا الأساسية إلى هذا المجال، معتبرةً أن ذلك أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها».
وتضيف: «أن العديد من الشركات المتخصصة في التجميل، ومنذ سنوات، ومن خلال المؤتمرات التي نشارك فيها، كانت تتحدث عن المجال وتطبيقاته الشاملة، بحيث يتم تحليل وجه المريض عبر الذكاء الاصطناعي لتحديد حاجته للبوتكس والفيلر والكميات الدقيقة المطلوبة، وتحديد أماكن الحقن، وتوجيه المريض نفسيا، وعرض المخاطر. وهنا اقصد الجانب العملي، حيث يتجلى دور الطبيب في التنفيذ، إذ يستلم الملف كاملاً من الذكاء الاصطناعي».
وتختم: «إن هذا هو الإطار الذي يدخل فيه الذكاء الاصطناعي، أما ربطه بالروبوتات فلا يزال غير متاح بشكل كامل، ونحن ننتظر المستقبل لمعرفة ما قد يحمله لنا».
يتم قراءة الآن
-
ترامب يتراجع خطوة إلى الخلف... ودول الخليج والإقليم انفرجوا احتدام الكباش بين حزب الله و«القوات» تعثر «الميكانيزم» لا ينعكس على الأرض جنوبا
-
مصير مجهول «للميكانيزم» والقائد الى واشنطن بـ3 ملفات «كرة ثلج» تعيين القزي تتدحرج... تمنيات سعودية «للتيار» بعدم التحالف مع حزب الله!
-
طهران ترسم «مخرج» ترامب ورؤية بوتين وخشية نتنياهو
-
الرسالة التي منعت ضربة واشنطن على ايران ونزعت فتيل "ليلة الانفجار"!!!!
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
07:11
التحكم المروري: قتيلان و12 جريحاً في 13 حادث سير تم التحقيق فيها خلال الـ 24 ساعة الماضية.
-
07:10
التحكم المروري: طريق ضهر البيدر سالكة حالياً امام المركبات ذات الدفع الرباعي او تلك المجهزة بسلاسل معدنية فقط، وطريق ترشيش - زحلة مقطوعة امام جميع المركبات بسبب تكون طبقة من الجليد.
-
07:10
التحكم المروري: حركة المرور كثيفة على اوتوستراد الضبية باتجاه انطلياس وصولا الى نهر الموت.
-
23:58
معلومات الجزيرة: غارة من مسيرة "إسرائيلية" على محيط بلدة زبقين في جنوب لبنان.
-
23:06
معلومات الميادين: الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا في إقليم كردستان تعلن النفير العام وتدعو الشباب الكردي للتوجه إلى سوريا للدفاع عن الكرد.
-
22:45
عراقجي: المفارقة المؤلمة أن إبادة "إسرائيل" للفلسطينيين والمجزرة الجماعية التي أودت بحياة 71 ألف بريء لم تدفع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إلغاء أي دعوة وُجّهت إلى مسؤولين "إسرائيليين".
