اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لطالما ارتبطت هشاشة العظام في أذهان الكثيرين بمرحلة الشيخوخة، إلا أن الحقيقة الطبية تكشف وجهًا أكثر تعقيدًا لهذا المرض الصامت. فالهشاشة لا تنتظر بلوغ سن متقدمة كي تُعلن عن نفسها، بل قد تبدأ بالتسلل خفية منذ سنوات الشباب، دون ألم واضح أو أعراض لافتة. ومع أن كسر العظام يُعدّ العلامة الأكثر وضوحًا، إلا أن الجسد يرسل قبل ذلك إشارات إنذار مبكر غالبًا ما يتم تجاهلها، ما يطرح تساؤلًا مهمًا: هل يمكن أن تُصيب هشاشة العظام فئات الشباب فعلًا، وكيف يمكن الانتباه إلى علاماتها الأولى قبل فوات الأوان؟

تظهر أولى علامات هشاشة العظام عادةً بشكل غير مباشر، حيث يعاني بعض الأشخاص من آلام متكررة في الظهر أو المفاصل دون سبب واضح، أو من شعور عام بالضعف الجسدي وسرعة الإرهاق. كما قد يلاحظ المصاب انخفاضًا تدريجيًا في الطول نتيجة تراجع كثافة الفقرات، أو تكرار الإصابات والكسور البسيطة التي تحدث بسبب صدمات خفيفة لا تؤدي عادةً إلى كسر لدى الأشخاص الأصحاء. هذه المؤشرات، رغم بساطتها الظاهرية، قد تكون إنذارًا مبكرًا على تراجع كثافة العظام وبدء فقدان قوتها.

ورغم شيوع هشاشة العظام بين النساء بعد انقطاع الطمث، فإن المرض لا يقتصر على هذه الفئة فقط. فالشباب أيضًا قد يكونون عرضة للإصابة، خصوصًا في حال نقص الكالسيوم وفيتامين “د”، أو اتباع أنظمة غذائية قاسية لفترات طويلة، أو الاعتماد على نمط حياة خامل يفتقر إلى النشاط البدني. كما تؤدي بعض العوامل الصحية دورًا مهمًا، مثل اضطرابات الغدة الدرقية، أو الاستخدام المفرط لبعض الأدوية كالكورتيزون، إضافة إلى العوامل الوراثية التي قد تضعف بنية العظام منذ سن مبكرة.

هذا وتزداد خطورة الإصابة لدى فئات الشباب مع انتشار عادات يومية تؤثر سلبًا في صحة العظام، مثل الإفراط في استهلاك المشروبات الغازية، والتدخين، وقلة التعرض لأشعة الشمس. فهذه السلوكيات تؤدي إلى تقليل امتصاص المعادن الأساسية، ما ينعكس مباشرة على قوة العظام وقدرتها على التجدد. وفي كثير من الحالات، لا يتم تشخيص المشكلة إلا بعد حدوث كسر مفاجئ، ما يسلط الضوء على أهمية الوعي المبكر والفحوصات الدورية.

وتكمن أهمية الاكتشاف المبكر لهشاشة العظام في إمكان الحد من تطورها والسيطرة عليها قبل الوصول إلى مراحل متقدمة. إذ يساهم التشخيص المبكر في تعديل نمط الحياة، وتحسين النظام الغذائي، وتعزيز النشاط البدني، إلى جانب التدخل الطبي عند الحاجة. كما يُعد فحص كثافة العظام أداة فعالة لتقييم صحة الهيكل العظمي، خاصة لدى الأشخاص الذين تظهر لديهم عوامل خطر واضحة، حتى وإن كانوا في سن الشباب.

في الختام، لم تعد هشاشة العظام مرضًا مرتبطًا بالتقدم في العمر فحسب، بل تحولت إلى قضية صحية متزايدة تستدعي وعيًا مجتمعيًا أوسع يشمل مختلف الفئات العمرية، ولا سيما فئة الشباب. فالانتباه إلى إشارات الإنذار المبكر وعدم الاستهانة بالأعراض البسيطة، إلى جانب إجراء الفحوصات الوقائية عند وجود عوامل خطر، يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا في مسار المرض. كما أن اعتماد نمط حياة صحي منذ سن مبكرة، يقوم على التغذية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، والتعرض الكافي لأشعة الشمس، يشكّل خط الدفاع الأول للحفاظ على عظام قوية. ومن خلال هذا الوعي المبكر، يمكن الحد من المضاعفات المستقبلية، وتقليل خطر الكسور، وتعزيز جودة الحياة والاستقلالية الجسدية على المدى الطويل.

الأكثر قراءة

إحذروا الضربة الأخيرة للشيطان