تقدّم وزراء «القوّات اللبنانيّة» بمذكرة إلى مجلس الوزراء ضدّ المقاومة متّهمة إيّاها بتشكيل سلطة موازية لسلطة الدولة وارتكاب عدد من الجرائم التي يطالها قانون العقوبات، وتطالب بالاستعجال بنزع سلاحها باللجوء إلى مجلس الأمن، وبتحميل المقاومة وداعميها مسؤوليّة ما حلّ بلبنان من دمار وخسائر.
إنّها إذًا مطالعة اتّهاميّة ضدّ المقاومة تحمل الكثير من المغالطات وتتجاهل الكثير من الوقائع وتحوّر القانون وتنسف مبادئه.
أوّلًا: مغالطات المذكّرة
أ- في ادّعاء ازدواجيّة السلطة:
إنّ الادّعاء بأنّ استمرار وجود سلاح المقاومة يشكّل ازدواجيّة للسلطة، توصيف غير صحيح، فسلاح المقاومة مخصّص لمواجهة الاحتلال مع إقرار السلطة بعجز الجيش عن المواجهة، إذًا ينوب هذا السلاح عن ذلك الذي كان يجب على السلطة أن تؤمّنه للجيش الوطنيّ لتمكينه من القيام بواجب الدفاع، بدلًا من أن تجبره على الانسحاب أمام تقدّم جيش الاحتلال.
ب- في وضع مهل زمنيّة للتجريد من السلاح:
إنّ الضغط لتنفيذ حصريّة وجود السلاح بيد الدولة في مهل زمنيّة، رغم عجز هذه الدولة عن القيام بواجباتها الدستوريّة في حماية شعبها وردّ العدوان، هو دعوة لوضع الجيش بمواجهة بيئة المقاومة، أي بمواجهة أكثريّة اللبنانيّين.
ج- في المطالبة بتدويل مسألة حصريّة السلاح:
إنّ الدعوة لتدويل مسألة حصريّة السلاح بيد الدولة وحدها، عبر توسّل إصدار قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، هي تنكّر لمبدأ السيادة الوطنيّة باستدعاء قوى أجنبيّة لنزع سلاح شرعيّ. إنّه مطالبة بإلغاء استقلال لبنان ووضعه تحت الوصاية الخارجيّة.
د- في ادّعاء مسؤوليّة المقاومة وداعميها عن الحرب:
ترى المذكّرة أنّ كلّ جهة شاركت أو قرّرت أو ساهمت «في إدخال لبنان في نزاعات مسلّحة دون تفويض شرعيّ»، مسؤولة قانونًا عن كامل الأضرار.
1-ينطوي هذا البند على تحميل المقاومة وداعميها من دول وشعوب، وبشكل مباشر، مسؤوليّة الأضرار التي تسبّب بها العدوان الإسرائيليّ، وبالتالي إبراء ساحة العدوّ من جرائمه، وتحميلها للطرف المعتدى عليه.
2- كما يتضمّن البند تنازلًا صريحًا ومجانيًّا عن حقّ لبنان بمقاضاة العدوّ الإسرائيليّ عن جرائمه التي اعترف بها كلّ العالم بمؤسّساته وسياسيّيه وشعوبه، وهو تجريد للبنان من وسائل الدفاع القانونيّ وولوج سبل الانتصاف الدوليّة في مقاضاة العدوّ عن جرائمه التي ارتكبها ضدّ لبنان وشعبه.
3-توصيف أفعال المقاومة بالجرائم:
إنّ الأفعال الواردة في هذا الباب من قانون العقوبات تحت عنوان «الجرائم التي تمسّ أمن الدولة الداخليّ والخارجيّ»، تندرج تحت العناوين الآتية:
الخيانة، الموادّ: 273-280
التجسّس، الموادّ: 281-284
الصلات غير المشروعة بالعدوّ، الموادّ: 285-287
النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القوميّ، الموادّ: 295-298.
فأيّها ينطبق على الفعل المقاوم؟
المادّة (273) تنصّ عل تجريم من يحمل السلاح على لبنان في صفوف العدوّ، ومن يقدم في زمن الحرب على أعمال عدوان ضدّ لبنان وإن لم ينتمِّ إلى جيش معادٍ، وكلّ من يتجنّد بأيّ صفة كانت في جيش معادٍ ولم ينفصل عنه قبل أيّ عمل عدوان ضدّ لبنان.
المادّة (274) تنص على أنّ « كلّ لبنانيّ دسّ الدسائس لدى دولة أجنبيّة أو اتّصل بها ليدفعها إلى مباشرة العدوان على لبنان أو ليوفّر لها الوسائل إلى ذلك عوقب بالأشغال الشاقّة المؤبّدة».
المادّة 275: «كلّ لبنانيّ دسّ الدسائس لدى العدوّ أو اتّصل به ليعاونه بأيّ وجه كان على فوز قوّاته عوقب بالإعدام».
الموادّ: 276 (شلّ الدفاع الوطنيّ)، 277 (اقتطاع جزء من الأرض اللبنانيّة لصالح العدوّ)، 278 (تقديم طعام أو مأوى لجاسوس أو جنديّ عدوّ)، 279 (إذا تسبّب بما ذكر أعلاه لدولة حليفة للبنان)، 280 (يطبّق ما ذكر على الأجانب الذين يقومون بالأفعال المذكورة ضدّ لبنان).
أمّا التجسّس وإقامة الصلات غير المشروعة بالعدوّ والنيل من هيبة الدولة ومن الشعور القوميّ فهي خارجة عن موضوعنا.
وهكذا تتهافت في هذه المسألة ادّعاءات مقدّمي هذه المذكرة في حقّ المقاومة، وهي تنطبق بحذافيرها على الجهة السياسيّة التي أملتها عليهم.
كما ترتدّ على مقدّمي المذكرة تبعًا لما ذكر المطالبة بتحريك «الملاحقات الجزائيّة دون أيّ إبطاء».
أمّا البنود (4) رفض تحميل الشعب تبعات «الجرائم المرتكبة» و(5) حماية الاقتصاد ضمن إطار العدالة القانونيّة و(6) المطالبة بإقرار إجراءات استثنائيّة، ومطالبة المذكرة بإقرار إجراءات استثنائيّة وإعفاءات ضريبيّة وجمركيّة وتعليق المهل القانونيّة، ودعم القطاعات المتضرّرة، على أن تكون هذه الإجراءات مرتبطة بمبدأ عدم تحميل الضحيّة تبعات الجريمة، بل تحميلها للمقاومة وداعميها. وكذلك (7) منع تحميل الدولة ديونًا إضافية غير مبررة؛
كلّ هذا يعني فيما يعني منع إعادة الإعمار واستمرار الحرب على بيئة المقاومة، وهذا لا يخفي سعي معدّي المذكّرة إلى تعمية الرأي العامّ عن الفاعل الحقيقيّ، كما وسعيهم لمعاقبة شعب المقاومة بسبب تأييده الدفاع عن اللبنانيّين ووطنهم وسيادته وكرامته.
إنّ هذه البنود الأربعة الأخيرة تشجّع على بثّ روح الفرقة والتمييز بين فئات الشعب اللبنانيّ وتؤدّي إلى الفرز والتقسيم الطائفيّ والمناطقيّ، لا سيمّا أنّ معظم المتضرّرين ينتمون إلى طائفة واحدة وهي الطائفة الشيعيّة، وعليه، تنطوي البنود المذكورة على تمييز مناقض للقانون بين أفراد الشعب الواحد، وتشكّل انتهاكًا لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامّة الوارد في المادّة 7 من الدستور اللبنانيّ، وتمسّ حقّ المتضرّرين اللبنانيّين بالتعويض عن جرائم الحرب التي ارتكبها العدوّ الإسرائيليّ.
ثانيًا: حقّنا بالدفاع المشروع عن النفس
كان يمكن لمضمون هذه المذكّرة أن يطرح، ولا نقول يصحّ، لو كانت هناك سلطة راغبة في الدفاع عن شعبها وأرضها وقادرة على ذلك. أمّا في لبنان فالثابت ما يأتي:
1-تخلّي السلطة الدائم عن شعب الجنوب وحتّى عن الشعب في مناطق أخرى، وكذلك عن الأرض وعن السيادة في وجه العدوان الخارجيّ والاستباحة؛
2-تحريض بعض أطراف السلطة العدوّ ضدّ المقاومة وبيئتها؛
3-تحريض بعض الأحزاب الممثّلة في السلطة وغير الممثّلة والشخصيّات العامّة ضدّ المقاومة وبيئتها.
كلّ ذلك في تنكّر لحقوق اللبنانيّين الثابتة بالقوانين، ناهيك بالأخلاق والقيم الوطنيّة والدينيّة وغيرها.
وهكذا وبما أنّ السلطة تخلّت عن واجبها في حماية شعبها وأرضها وسيادتها منذ عقود، فقد آل واجب الدفاع إلى الذين يتعرّضون للعدوان من فئات الشعب، فقد منحهم مبدأ الدفاع عن النفس الحقّ القانونيّ بالمواجهة المسلّحة:
• المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة تقرً للدول بالحقّ في مقاومة الاعتداء الأجنبيّ المسلّح. والدول ليست بالضرورة الحكومات، بل أساسًا الشعوب، لا سيّما عندما تمتنع الحكومات عن القيام بواجباتها. ذلك مع العلم أنّ ميثاق الأمم المتّحدة صيغ على أساس أن الشعوب هي التي قرّرته إذ بدأت ديباجته بالقول: «نحن شعوب الأمم المتّحدة، وقد آلينا على أنفسنا...»
•المواثيق والإعلانات والعهود الدوليّة العديدة تحمي حقّ الشعوب في تقرير المصير: الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والعهد الدوليّ للحقوق المدنيّة والسياسيّة، والعهد الدوليّ للحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة وعشرات قرارات الأمم المتّحدة... كلّ ذلك في مقاومة الاحتلال الخارجيّ.
•البند 4 من المادّة الثانية من الميثاق العربيّ لحقوق الإنسان (2004) التي تنصّ على أنّ
«للشعوب كافة الحقّ في مقاومة الاحتلال الأجنبي".
علمًا أنّ مقدمة الدستور اللبنانيّ بفقرتها «ب» قد أحالت على مواثيق الأمم المتّحدة والجامعة العربيّة وأكّدت على الالتزام بها، ما يعطي أحكام هذه المواثيق القيمة الدستوريّة أيضًا.
وإلى هذا يعترف القانون الدوليّ بالهبّة الجماهيريّة في مواجهة الجيش الغازي، ويشرعنها، دون أن يربطها بتحرّك القوى النظاميّة أو عدم تحرّكها، فمن باب أولى أن تكون مشروعة عند غياب المواجهة الرسميّة.
ويؤيّد الاجتهاد الدوليّ حقّ الشعب في الدفاع عن نفسه، عند نكول السلطة، ففي اجتهادات محكمة يوغوسلافيا السابقة مثلًا يرد:
«المحكمة... اعترفت بأنّ المدنيّين قد يجدون أنفسهم مضطرّين لحمل السلاح إذا كانت الدولة عاجزة عن حمايتهم» .
"المحكمة تناولت مسألة تشكيل قوّات دفاع محليّة في ظلّ انهيار الدولة، وأكّدت أنّ الشرعيّة مرتبطة بالالتزام بالقانون الدوليّ".
إنّ هذه المذكّرة الاتّهاميّة هي مطالعة تحريضيّة تطالب بتجريم المقاومة وداعميها، وتدعو إلى تجريدها من السلاح وترك مجاهديها عزّلًا أمام إرهاب العدوّ، وتحميل بيئة المقاومة والجهات الدوليّة الداعمة لحقّ لبنان في الدفاع عن شعبه وأرضه وسيادته مسؤوليّة الأضرار، من كل الأنواع، التي لحقت به جرّاء العدوان الإسرائيليّ المتمادي والمستمرّ. إنّها دعوة إلى تبرئة العدوّ وتشجيعه، وإلى قتل المقاومين وإتلاف أرزاق المواطنين والسيطرة على لبنان، وفي أحسن الأحوال إلى تدويله.
محمد طي وحسين العزّي
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
16:55
غارة إسرائيلية على بلدة البرج الشمالي
-
16:55
غارة إسرائيلية على بلدة عين بعال
-
16:54
حزب الله: استهدفنا بمسيرة آلية هامر إسرائيلية في بلدة الطيبة جنوبي لبنان وحققنا إصابة
-
16:51
غارة إسرائيلية استهدفت بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل
-
16:43
وزارة الصحة: ارتفاع الحصيلة التراكمية للعدوان منذ 2 آذار حتى 16 أيار إلى 2969 شهيدًا و9112 جريحًا
-
16:30
غارة إسرائيلية على بلدة صدقين
