اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتراجع الطموحات الجيوسياسية والاقتصادية للهند، وفق تحليل نشرته صحيفة "التلغراف" البريطانية، تحت تأثير السياسات غير المتوقعة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي ألقت بظلالها على مسار علاقات نيودلهي الخارجية وخططها الاقتصادية.

فقد كتب محرر الاقتصاد الدولي بالصحيفة هانس فان ليوين أن ترامب وجّه ضربة قاسية لطموحات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بتحويله الهند من مرشح للاستفادة من عودة هذا الرئيس إلى البيت الأبيض، إلى واحدة من أكثر الدول تضررًا من سياساته وتحركاته العسكرية المتقلبة، خصوصًا بعد اتساع الحرب في إيران واضطراب أسواق الطاقة العالمية.

ويقول ليوين إن مودي كان قبل أسابيع قليلة فقط يعيش ذروة قوته السياسية، بعدما حقق حزبه بهاراتيا جاناتا انتصارًا انتخابيًا واسعًا عزز سيطرته على معظم الولايات الهندية، مما بدا تمهيدًا لترسيخ مشروعه الكبير المعروف باسم "فيكست بهارات"، أي تحويل الهند إلى دولة متقدمة وقوة عظمى بحلول عام 2047.

إلا أن مغامرة ترامب العسكرية في المنطقة وفقا للكاتب وتحديداً الحرب في إيران وحصار مضيق هرمز الذي تجاوز يومه الثمانين، وجهت طعنة قوية للاقتصاد الهندي الذي يعتمد بنسبة 87% على واردات النفط والغاز، مما تسبب في هروب المستثمرين الأجانب، وهبوط العملة، وارتفاع التضخم.

وقد دفع هذا الوضع وكالة موديز لخفض توقعات نمو الهند إلى 6%، وهي نسبة يراها الخبراء غير كافية لتحقيق هدف "الهند المتقدمة" في غضون أقل من عقدين.

ورغم أن هذه النسبة تبدو مرتفعة مقارنة باقتصادات كبرى، فإنها تبقى أقل بكثير من المعدل الذي تحتاجه نيودلهي لتحقيق حلم التحول إلى قوة عالمية منافسة للصين.

وينقل الكاتب عن تشيتيج باجباي، الباحث في معهد تشاتام هاوس ، قوله: "للوصول إلى هدفها المسمى فيكست بهارات، يتعين على البلاد أن تحقق نمواً سنوياً مستداماً بنسبة 8%، وهو ما كانت تعجز عنه الهند حتى قبل اندلاع الحرب في إيران".

ويشير الكاتب إلى أن مودي كان يعوّل على ولاية ترامب الثانية لتعزيز موقع الهند في مواجهة الصين، لكنه وجد نفسه في مواجهة مباشرة معه بشأن الرسوم الجمركية التجارية.

والأدهى من ذلك، وفقاً للمقال، هو تقرب ترامب المفاجئ من خصم الهند الاستراتيجي، باكستان التي تلعب الآن دور الوسيط مع طهران، والصين التي نجحت في تحويل موقف ترامب من العداء إلى "التقدير على مضض".

وفي هذا السياق، يرى الدكتور والتر لادويغ، عالم السياسة في "كينغز كوليدج لندن" (King’s College London)، أن هذه التطورات نالت من ثقة دامت 20 عاماً بين واشنطن ونيودلهي، مؤكداً أن الهنود يكتشفون اليوم أنهم "لا يزالون في مرحلة يتأثرون فيها بالأحداث في النظام الدولي أكثر مما يشكلونه".

كما يؤكد أن حملة "صنع في الهند" التي أطلقها مودي لتحويل البلاد إلى مصنع عالمي لم تحقق النتائج المأمولة، إذ ما تزال مساهمة التصنيع الهندي لا تتجاوز عُشر حجم الإنتاج الصناعي الصيني.

ويوضح ليوين أن مودي اضطر لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية، وصلت إلى حد مطالبة 1.5 مليار هندي بالتوقف عن شراء الذهب ثاني أكبر واردات البلاد وفرض رخص استيراد، كما بدأت الحكومة في تقليص الإنفاق الرأسمالي والبنية التحتية للسيطرة على العجز، وهو الإنفاق الذي يمثل وقود النمو للهند.

ولم تكتف الحكومة بالدعوات الرمزية، بل رفعت الرسوم الجمركية على الذهب إلى 15%، وفرضت قيودًا على استيراده، في محاولة لاحتواء أزمة ميزان المدفوعات والحفاظ على احتياطي العملات الأجنبية.

ويستعرض المقال أيضًا نقاط الضعف البنيوية في الاقتصاد الهندي، مثل ضعف الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والتعليم والبنية البشرية، إضافة إلى طبيعة النظام الديمقراطي اللامركزي الذي يحدّ من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات اقتصادية سريعة على غرار الصين.

ويشير التقرير إلى أن الحكومة الهندية حاولت في البداية امتصاص صدمة ارتفاع أسعار الطاقة عبر استخدام المخزونات الإستراتيجية وخفض الضرائب وتقديم الدعم، لكن استمرار الحرب جعل هذه السياسة مكلفة للغاية على المالية العامة.

ومع ارتفاع فاتورة الدعم وعجز الموازنة، بدأت الحكومة تسمح تدريجيًا بارتفاع أسعار الوقود، بينما تتزايد المخاوف من اضطرارها إلى تقليص الإنفاق على البنية التحتية، وهو القطاع الذي يعوّل عليه مودي لتحقيق معدلات نمو مرتفعة تدعم مشروع "الهند العظمى".

ويخلص الكاتب إلى أن مودي لا يزال يسيطر على الداخل الهندي سياسيًا، لكن طموحه لتحويل بلاده إلى قوة عالمية بات يواجه قيودًا خارجية متزايدة، فرضتها حروب ترامب وتحالفاته المتقلبة، في لحظة دولية شديدة الاضطراب، مما يعني أن طريق الهند نحو مرتبة "القوة العظمى" لا يزال طويلاً وشائكاً في ظل تخبط الحليف الأميركي.

الأكثر قراءة

واشنطن لا تضبط وقف النار... والميدان يهدد المفاوضات «إعلان النوايا» على الطاولة... والجيش على ثوابته