اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يكشف تقرير لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية شهادات لعدد من الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في جنوب لبنان، يتحدثون فيها عن تجربة ميدانية قاسية ومشحونة بالاضطراب النفسي والارتباك داخل صفوف الجيش.

وتصف الشهادات، التي تعود لجنود من الخدمة النظامية والاحتياط، مشاهد اقتحام بيوت في قرى جنوبية وتدميرها، إلى جانب عمليات هدم واسعة للمنازل والبنى المدنية، وسط شعور متزايد لدى بعضهم بأن ما يجري يتجاوز المهام العسكرية التقليدية.

كما يروي الجنود حالات نهب لمحتويات منازل ومحال تجارية خلال العمليات، مع اتهامات ضمنية بتساهل من بعض القادة مع هذه الممارسات، في ظل غياب رقابة صارمة أو تدخل واضح لوقفها بحسب رواياتهم.

ويقول الجنود "الروتين كان محدداً. كل مساء بعد غروب الشمس تصل قافلة الوحدة المتنقلة. مهمتها إحضار المؤن لنا: طعام، زيت وذخيرة، كل ما نحتاجه. ولكن كانت هناك مهمة أخرى غير رسمية، وهي الاستيلاء على الغنائم. تفريغها في موقع المقر الرئيسي، بانتظار المقاتلين عند عودتهم إلى ديارهم. بالطبع، لم يكن جنود الوحدة المتنقلة أغبياء. فقد كانوا يأخذون نفس القدر منها لأنفسهم. "اختاروا ما تريدون"، يقولون لهم. لم يكن هناك أي نقص فيما يمكن نهبه".

ويتابع أحد الجنود "عليّ الاعتراف بأن الأمر لم يزعجني في البداية، لكن بدأ الأمر يثير اشمئزازي مع مرور الوقت. جئت لضمان أمن سكان الشمال وليس للسرقة. حاولت التحدث مع الجنود والتناقش معهم، ولكن لم يكن هناك من يسمع. هناك من قالوا بأنها فريضة دينية وأعطوه مبرراً دينياً. وقال آخرون إن كل شيء سيتم تدميره على أي حال، لذلك لا حاجة لترك الأغراض الثمينة هناك. وعندما حدثتُ أحد الضباط عن ذلك، تنهد وقال بأن ذلك يزعجه أيضاً. ولكنه قال هناك نقص في الجنود ويصعب أن تحتج على جنود قضوا 400 يوم في الاحتياط. ثمة شعور بأن الجيش الإسرائيلي أصبح مثل جيش الفايكنغ، حيث يسمحون للجنود بالنهب لإرضائهم ومواصلة القتال".

وعلى المستوى الميداني، يتحدث الجنود عن مخاطر كبيرة تواجههم، خصوصاً في ظل استخدام الطائرات المسيّرة، ما أدى إلى شعور دائم بالتهديد والعجز، إضافة إلى إصابات وضغوط نفسية متزايدة.

يقول "تومر" (19 سنة)، مقاتل في لواء "جفعاتي" من منطقة "الشارون" إنّ "الأمر مخيف. أي شخص يقول غير ذلك فهو كاذب. عندما يكون اشتباك مع إرهابيين، يمكنك التقدم إلى الأمام والاختباء. هناك غطاء جوي ودروع، يمكنك التعامل مع الأمر، لكن مع المسيرات، يظهر الأمر وكأنه مسألة حظ. انفجرت مسيرتان قرب وحدتي، لكن لم تحدث إصابات. تحدث معنا قائد السرية وقال إن هذا يعود إلى الانضباط العملياتي الجيد. ولكنه أمر مخجل حقاً. لو رجعنا بضعة أمتار لمتنا أو انتهى الأمر بنا في مستشفى ايخيلوف دون ساق. استمر طنين في أذني بعد أحد الانفجارين، ولم يسمحوا لي برؤية طبيب".


وتكشف الشهادات أيضاً عن تدهور في الحالة النفسية لدى بعض الجنود، حيث تحدثوا عن خوف، تجمّد في الميدان، صدمات، وشعور بالذنب، وصولاً إلى طلبات للعلاج النفسي أو التفكير في إنهاء الخدمة، في ظل ضغط العمليات المستمر.

ويروي أحد الجنود التالي "أتذكر اللحظة التي عرفت فيها بأنني لم أعد أتحمل. حدث هذا في البيت الذي كنا ننام فيه في بنت جبيل في نهاية آذار. لم يتوقف هطول الأمطار، ولا تدفئة. تغلغل البرد إلى الداخل واختلط بالعرق على الزي العسكري، لم أتوقف عن الارتجاف، حاولت تغطية وجهي بالوشاح، ولكن دون جدوى. أتذكر أنني بدأت أبكي، لكن بهدوء كي لا يسمعني أحد. كنت متعباً ولا يمكنني التحرك، لم أتمكن من النوم. كانت الفئران في كل مكان تتسلق علينا، لم يكن لنا الكثير لنفعله".

ويتابع "في الصباح، طلبت من قائد السرية البقاء في الموقع وعدم الذهاب لأي نشاط، لكنه رفض وقال “أأنت غبي، لا يمكنك البقاء هنا، الكل يتقدم، توقف عن الهراء”. ضحك الآخرون. أهانني الأمر. لم أحاول الخروج أو العودة إلى البيت. كنت في أزمة.

"أصدقائي اندفعوا، أما أنا فتجمدت في مكاني. شعرت أنني لا شيء. كل لحظة مرت وكأنها دهر. كان هناك وابل من الرصاص. شعرت كأنني أفقد عقلي. ولا أعرف ما يحدث حولي".

كما يجمع الجنود في رواياتهم على أن الواقع في جنوب لبنان لا يشبه الخطاب الرسمي الإسرائيلي، بل يعكس بحسب تعبيرهم حالة إنهاك وارتباك وتآكل في المعنويات داخل الوحدات القتالية.

الأكثر قراءة

واشنطن لا تضبط وقف النار... والميدان يهدد المفاوضات «إعلان النوايا» على الطاولة... والجيش على ثوابته