اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تخرجُ رواية "زيّاح" (الرافدين 2025) للروائي الصديق، ابن بلدتنا قب الياس، منير الحايك، من رَحِمِ واقعٍ جميل، لا يُدركُ أحاسيسه إلا من عايشَ هذه المراحل كافةً، إنْ بقراءة التاريخ البعيد، أو بعيش المراحل القريبة التي تَلَتْ، وكنّا نحن في صُلبها ومن مؤسسيها بعد الحرب .

تتمحور هذه الرواية حول زيّاح "مار الياس"، الذي أقامه أهل الضيعة سنة ١٩١٦، مسيحيون ومسلمون، درئاً للهواء الأصفر الذي اجتاح هذه المنطقة، وفتَكَ بالعباد .

صار هذا الزيّاح تقليداً سنوياً يقام ليلة العيد، ينطلقُ من الكنيسة مروراً بجامع السوق، ترافقه الفرق الموسيقية والتراتيل والصلوات، وكان يستمر حتى انبلاج الفجر .

توقَّف الزيّاح قسراً في مرحلة الحرب، ليُعادَ إحياؤه العام ١٩٩٥ .

يكتبُ منير الحايك تاريخَ قب الياس من جديد، عبر بوابة "الزياح"، مازجًا القديمَ بالجديد، الواقع بالأسطورة، الأماكن كما كانت، الشخصيات المستحدثة مع الواقعية، كاتباً مئة سنة من التاريخ في فصول تتعاقب متنقلةً بين الأزمنة، ليعيش القارئ زمنَين متلازمين، على مسرحٍ واحد، متنقلاً فيهما بكل السلاسة والحبكة المحببة، والسرد المنتظم كسيمفونية بيتهوفن .

استقى منير الحايك الطقوس المسيحية من مرجعياتها، في الكنيسة وفي الزيّاح، في الحوارات باللغة العامية، في التقاليد الاجتماعية، في صدقية الأماكن، في الأسماء الحقيقية والمموّهة، في الوصف الدقيق للحالة الإسلامية-المسيحية، في تقاطع الحرب العالمية الأولى، في المجاعة والوباء، في مصادر بعض الوقائع، التي أنارتْ على الكثير من الأحداث .

هذه الرواية ممتعةٌ إلى أقصى الحدود، أعادتني إلى ذاكرتي، ساعةَ وصلني من منير روايته الجديدة، فكتبَ بأسلوبٍ ساحر ولغة مبسطّة، فيلماً يؤرّخُ بكل الشَغف المتوارث .

البطلة جانيت، صاحبة الرؤيا، القائمة على جناحَي الرواية، ماددةً الجسور بين الماضي والمستقبل، صَقَلتْ المعنى، مُشيدةً عالماً فريداً، قاب قوسيَن من مشهديةٍ ملحمية، زاوَجتْ بِبُعدِ تفكيرها حدَّ الجنون .

ينتهي الزيّاح برسالةِ التوحيد، والسعي لكينونةٍ جديدة .ويبقى للبلدة، وللوطن دائماً أبطال يلعبونَ حدَّ التاريخ. 

الأكثر قراءة

هل يتم تحديد المنطقة التجريبية الاولى خلال ايام؟ ترامب: وقف النار انتهى لكن المحادثات مستمرة واجتماع في سويسرا