اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في وقت تتسارع فيه التطورات الميدانية بلا كوابح، يبدو واضحاً أن الجنوب اللبناني قد انتقل تماماً من مربع «جبهة المساندة» وقواعد الاشتباك التقليدية، إلى ساحة مواجهة شاملة ومفتوحة تدمر البشر والحجر. وأمام هذا الواقع المتفجر، تبرز الخطورة الأكبر في تعرّي الساحة من أي ضمانات دولية حقيقية قادرة على كبح جماح آلة الحرب، ما يضع المنطقة بأسرها على حافة سيناريوهات غير مسبوقة.

وعلى صعيد المفاوضات، وحين كان اعضاء الوفدين اللبناني و«الاسرائيلي» يستعدان للتوجه الى مقر وزارة الخارجية في واشنطن، لعقد جلسة جديدة من المفاوضات، دون ان تلوح في الافق اية اشارة الى خطوة ما في اتجاه تثبيت وقف النار، عمدت «تل ابيب» الى تصعيد نوعي خطير على الساحة اللبنانية بتعمدها استهداف الجيش اللبناني في اكثر من منطقة، اذ استهدفت غارة جوية جنديا في الجيش خلال تنقله على طربق النبطية- كفرتبنيت، كما استهدفت مسيرة اسرائيلية آلية للجيش على طريق دير الزهراني – النبطية ما ادى الى اصابة ضابط وجندي بجروح.

واللافت في هذا السياق، ان وسائل اعلام اسرائيلية عادت الى التصعيد الى رغبة نتنياهو في الرد على تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي عاد واكد على وصف رئيس الحكومة الاسرائيلية بـ«الجنون المطبق» مبديا استياءه من نتنياهو على مواصلة الحرب على لبنان، ليقتصر الامر على الاعراب عن الاستياء، ودون الاخذ بالاعتبار رهان الحكومة اللبنانية على دور للبيت الابيض في لجم الائتلاف الحاكم في الدولة العبرية من خلال الدخول في المفاوضات المباشرة بغرض الوصول الى اتفاق امني بين الجانبين.في حين يسعى الاسرائيليون الى ما هو ابعد من ذلك، بعدما وضعوا خططا للربط بين المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني والمنطقة العازلة في الجنوب السوري.

مصدر ديبلوماسي عربي: لوضع اطار واضح للمفاوضات

بموازاة ذلك، على صعيد المفاوضات بين الدولة اللبنانية و«اسرائيل» بوساطة اميركية، شدد مصدر ديبلوماسي عربي ان تكون النقطة الأساسية من هذه المفاوضات أن تُرسّخ إطارًا واضحًا لإنهاء الهجمات على بيروت، مع الأمل بأن يشمل ذلك لاحقًا جنوب لبنان أيضًا. غير أن هذه المفاوضات، رغم ما قد تبدو عليه في ظاهرها من كونها مسارًا دبلوماسيًا إيجابيًا يهدف إلى التهدئة وخفض التصعيد، قد تُقرأ من زاوية أخرى أكثر تعقيدًا.

ففي بعض الحالات، يمكن أن تتحول المفاوضات إلى ما يشبه «حصان طروادة»، أي أنها تُقدَّم كمسار سلام أو تسوية مرحّب بها، بينما قد تُستخدم في العمق كأداة لتحقيق أهداف مختلفة أو خفية لا تظهر فورًا للعلن. وقد يستغل الطرف الاسرائيلي او الاميركي هذا النوع من المسارات التفاوضية لتمرير وقائع سياسية أو ميدانية أو لترسيخ مكاسب معينة تحت غطاء التهدئة والدبلوماسية.

ومن هذا المنظور، رأى المصدر الديبلوماسي العربي ان هذه المفاوضات تبقى قابلة للتوظيف السياسي حتى الوصول إلى اتفاق نهائي، وهو ما يضعها في إطار حساس، حيث يتداخل فيها الظاهر الإيجابي مع احتمالات الاستخدام الاستراتيجي غير المعلن، إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية يتفق عليها مختلف الأطراف، بما في ذلك ترامب.

ميدانيا: معارك ضارية بين حزب الله وجيش الاحتلال

على الصعيد الميداني، تشهد بلدات ومدن الجنوب غارات جوية مكثفة وقصفاً مدفعياً عنيفاً ينفذها جيش الاحتلال الاسرائيلي معتمدا على تدمير واسع للمباني السكنية والبنى التحتية في القرى الجنوبية تحت حجة منع أي تثبيت لنقاط عسكرية لحزب الله. وفي غضون ذلك، تدور اشتباكات ضارية وضمن مسافات قريبة عند نقاط التماس الحدودية مثل بلدات يحمر، ورشاف، ودبل، وشمع، وغيرها حيث تحاول القوات الإسرائيلية التوغل لتثبيت مواقعها أو التقدم شمالاً. في المقابل، ينفذ حزب الله عمليات عسكرية مركزة ومكثفة لعرقلة هذا التقدم من خلال تكتيكات «الكمائن الأرضية» وتفجير العبوات الناسفة بالآليات المتوغلة، إلى جانب الاعتماد المكثف على المسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة لاستهداف تجمعات الجنود ودبابات الميركافا خطوط الإمداد الإسرائيلية، بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية لمنع الجيش الإسرائيلي من الاستقرار أو تحقيق تفوق ميداني. وها هم مقاتلو الحزب يقاومون بشراسة وشجاعة قل مثيلها في زوطر والبلاط وقرى اخرى بوجه الجيش الاسرائيلي ويوقعون الخسائر في صفوفه ويمنعوه من التقدم محبطين خطط هذا الجيش المتوحش. اضافة على ذلك، اظهر الحزب انه يرتكز ايضا على سياسة الاستنزاف اكثر من خوض معارك خاطفة فالحزب يعمل على انهاك قدرات الجيش الاسرائيلي النفسية واللوجيستية. ذلك ان الطائرات المسيّرة الانقضاضية المزودة بالألياف التي يستخدمها الحزب باتت تشكل تحدياً استثنائياً وتتسبب في إيقاع إصابات وقتلى مستمرين في صفوف الضباط والجنود الإسرائيليين.

عودة الى المواجهة الشاملة؟

وتشير مصادر معنية الى تلقي كبار المسؤولين اللبنانيين خبر غارات امس واستهداف الجيش اللبناني بنوع من القلق والى حدود الصدمة كون هؤلاء المسؤولين كانوا يعتبرون ان الرئيس ترامب لا بد ان يقدم على خطوة متقدمة في موضوع ايجاد حل لوقف النار على كامل الاراضي اللبنانية، ودون ان تتسرب كما العادة اي تفاصيل حول مسار المفاوضات الراهنة ما يوحي بانها تراوح مكانها الى حد العجز عن التوصل الى هدنة شاملة وان كانت لمرحلة اختبارية مؤقتة.

واذ يستمر التصعيد على ذلك النحو الخطير، يمكن ان تستشف من تصريحات الجهات المعنية في حزب الله ان العودة الى المواجهة الشاملة ليس مستبعدا في مناخ يشير الى ان اجواء المنطقة بدأت تتلبد بالغيوم، بالرغم من توقع الرئيس الاميركي من توقيع اتفاق وشيك بين واشنطن وطهران، حتى انه أكد في حديث الى صحيفة «نيويورك بوست» «ان المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية مجبتى خامنئي منخرط في المحادثات الجارية»، والى حد «احتمال لقائه في وقت ما».

ولاحظ ان الموقف مع ايران «يتطور بسرعة» وان النتائج ستكون جيدة جدا، في حين قالت هيئة البث الاسرائيلية ان نتنياهو يحاول اقناع الاميركيين بشن ضربة عسكرية على الضاحية الجنوبية لبيروت لمزيد من الضغط على الحكومة اللبنانية لعدم موافقتها على التعاون العسكري من اجل شن حملة عسكرية مشتركة على حزب الله.

تفهم اميركي

وبالرغم من الضبابية التي تسود على المشهد العسكري والديبلوماسي على السواء مع ترجيح الاتجاه الى التفجير العسكري الشامل، بتداعيات كارثية على الدولة اللبنانية، أكد مصدر رسمي لبناني لقناة الجزيرة بـ«ان النقاش في جولة المفاوضات في واشنطن متقدم وثمة تفهم اميركي للمقاربة اللبنانية»، مشيرا الى ان «وفد لبنان يدفع الى التوصل الى حل شامل بالتوازن بين مسارين: انسحاب اسرائيل من الاراضي الجنوبية ومسار بسط سلطة الدولة».

واوضح «المدخل للحل هو وقف اطلاق نار شامل مع ادراكنا ان ذلك يحتاج لوقت، «مضيفا» ان سقف توقعاتنا من جولة اليوم (امس) وضع تصور لوقف اطلاق النار شامل متدرج زمنيا وجغرافيا» ولكن شدد المصدر ان وقف اطلاق النار الشامل يحتاج الى ضمانة اميركية ومع وضع اليات للتنفيذ وان كان خطط اسرائيل تختلف جذريا عن خطط الحكومة اللبنانية في هذا المجال.

وكانت وزارة الصحة اللبنانية قد اشارت في بيان لها الى ارتفاع حصيلة الحرب الاسرائيلية على لبنان الى 3516 شهيدا و10674 جريحا.


الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز