اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة من الانتقادات السياسية بعد تعليقه على بيانات التضخم الأخيرة، التي أظهرت ارتفاع الأسعار الاستهلاكية في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 3 سنوات، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الطاقة على خلفية الحرب مع إيران.

وخلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، قلل ترامب من المخاوف المرتبطة بارتفاع الأسعار قائلاً إن "الأرقام كانت رائعة"، قبل أن يضيف: "أنا أحب التضخم"، في تصريح سرعان ما استغله الديمقراطيون لمهاجمة الرئيس الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني المقبل.

وجاءت تصريحات ترامب بعد صدور بيانات أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 4.2% على أساس سنوي خلال مايو، مقارنة بـ3.8% في نيسان، ليسجل بذلك أعلى مستوى له منذ نيسان 2023.

وأدلى ترامب بهذه التصريحات قبل ساعات من الجولة الأخيرة من الضربات الأميركية ضد إيران، والتي جاءت في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الدائرة منذ أواخر شباط.

وسارع حلفاء الرئيس إلى احتواء تداعيات التصريح، إذ قال رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون إن كلام ترامب أُخرج من سياقه، غير أن الديمقراطيين اعتبروا التصريح دليلًا على تجاهل الإدارة الأميركية للأعباء الاقتصادية التي تواجهها الأسر.

وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر: إن تصريحات ترامب تعكس ازدراءً لمعاناة الأميركيين مع ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما نشر الحزب الديمقراطي مقطعًا مصورًا لتصريح الرئيس ضمن حملة انتقادية على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن ترامب كشف بشكل صريح موقفه من أزمة الأسعار.

وتأتي هذه السجالات السياسية في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة موجة جديدة من الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، شهدت الأسواق اضطرابات واسعة بعد أن أدّى إغلاق مضيق هرمز فعليًّا إلى تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، والذي يمر عبره ما يقرب من خُمس تجارة النفط والغاز في العالم.

ورغم ذلك، كرر ترامب توقعاته بأن التضخم سيتراجع بصورة حادة فور انتهاء الصراع مع إيران وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة.

إلا أن عددًا من الاقتصاديين شككوا في هذا السيناريو، مشيرين إلى أن أسعار النفط قد تحتاج إلى عدة أشهر للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب حتى في حال توقف الأعمال القتالية قريبًا.

وأظهرت بيانات أيار أن أسعار الطاقة ارتفعت بنسبة 23.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما قفزت أسعار البنزين بنسبة 40.5% على أساس سنوي.

كما واصلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعها للشهر الثاني على التوالي، مسجلة زيادة قدرها 2.7% مقارنة بالعام الماضي، في حين شهدت قطاعات أخرى زيادات ملحوظة شملت الرعاية الطبية والرعاية الشخصية وتذاكر الطيران والأنشطة الترفيهية.

ويأتي ذلك بعد سنوات من الضغوط التضخمية التي واجهها الاقتصاد الأميركي منذ جائحة كوفيد-19، حيث تعرَّضت الأسعار لسلسلة من الصدمات المتلاحقة، من بينها الحرب في أوكرانيا والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب، وصولًا إلى الحرب الحالية مع إيران.

ورغم استمرار الضغوط، يرى بعض المحللين أن استقرار أسعار الوقود في محطات البنزين خلال الفترة الأخيرة قد يكون مؤشرًا على اقتراب تراجع وتيرة التضخم خلال الأشهر المقبلة.

وقالت كاثي بوستيانسيك، كبيرة الاقتصاديين في شركة "نيشن وايد"، إن ارتفاع أسعار الطاقة كان العامل الرئيسي وراء زيادة التضخم خلال الشهر الماضي، لكنها رجَّحت أن يكون التضخم بلغ ذروته بالفعل وأن يبدأ بالانخفاض خلال النصف الثاني من العام.

وأضافت أن هذا السيناريو يعتمد بدرجة كبيرة على التوصل إلى حل قريب للأزمة مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة والطاقة بصورة طبيعية.

في المقابل، ارتفع معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، إلى 2.9% خلال أيار مقارنة بـ2.8% في الشهر السابق.

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في "إي واي بارثينون"، إن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على التضخم الأساسي لا يزال محدودًا حتى الآن، باستثناء الزيادة الواضحة في أسعار تذاكر الطيران.

وتتجه الأنظار الآن إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي يعقد اجتماعه المقبل الأسبوع القادم وسط ضغوط متزايدة من البيت الأبيض.

وسيكون الاجتماع المرتقب الأول لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش منذ توليه منصبه الشهر الماضي، في وقت يواصل فيه ترامب دعواته لخفض أسعار الفائدة.

إلا أن الأسواق المالية لا تتوقع أي تغيير في أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، بل بدأت تسعّر احتمالات رفعها لاحقًا هذا العام نتيجة عودة الضغوط التضخمية، وهو ما أثار قلق المستثمرين في أسواق الأسهم.

وقبل اندلاع الحرب مع إيران، كانت التوقعات تشير إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام مع انحسار آثار التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية، غير أن الحرب أعادت خلط الأوراق وأثارت مخاوف جديدة بشأن استقرار الأسعار.

ويرى عدد متزايد من صناع السياسة النقدية أن استمرار ارتفاع التضخم قد يفرض على البنك المركزي اتباع سياسة أكثر تشددًا، وهو ما قد يؤجل أي تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة.

وقال كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "نورثلايت لإدارة الأصول"، إن الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في وضع يسمح له بخفض أسعار الفائدة إذا استمرت الظروف الحالية، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة وتداعيات الحرب.

الأكثر قراءة

المنـطــقة تـتـغــيّر... مـاذا يـنـتـظـر لـبـنـان؟ التصـعـيـد الإقـلـيـــمـي يـربــــك حـــسـابـات الـجـنــــوب