تحولت قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة إيفيان الفرنسية من اجتماع اقتصادي وسياسي اعتيادي إلى حدث دولي استثنائي، بعدما جاء الإعلان المفاجئ عن الاتفاق الأميركي الإيراني عشية افتتاح أعمالها، ليفرض نفسه على أجندة القادة ويعيد رسم أولويات النقاش داخل أكبر تجمع للدول الصناعية في العالم.
ففي الوقت الذي كان من المتوقع أن تهيمن الخلافات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والحرب في أوكرانيا، وأمن الطاقة العالمي على جدول الأعمال، جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران لينقل القمة إلى مستوى مختلف من الأهمية السياسية والاستراتيجية، بحسب "moderndiplomacy".
جاء الإعلان الأميركي بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المواجهة العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ أواخر شباط الماضي، وأسفرت عن إغلاق مضيق هرمز وتعطيل جزء كبير من حركة الطاقة العالمية.
وينص الاتفاق المبدئي على إعادة فتح المضيق ورفع الحصار البحري المفروض على إيران، إلى جانب إطلاق مفاوضات تستمر ثلاثين يوماً لوضع إطار تفصيلي للملف النووي الإيراني وآليات الرقابة والعقوبات.
ورغم الترحيب الدولي الأولي، فإن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية للصراع بقدر ما يشكل هدنة سياسية قابلة للاختبار، إذ ما زالت القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها مستقبل تخصيب اليورانيوم وآليات التفتيش والالتزامات المتبادلة، معلقة إلى حين انتهاء جولة المفاوضات المقبلة.
ويعكس التباين في الخطاب الرسمي للطرفين حجم الغموض المحيط بالاتفاق؛ فبينما قدمه ترامب بوصفه انتصاراً أمريكياً كاملاً، أكدت طهران أن الولايات المتحدة اضطرت إلى إنهاء الحرب بشروط فرضتها التطورات الميدانية، ما يشير إلى أن كل طرف يحاول تسويق الاتفاق داخلياً باعتباره مكسباً سياسياً خاصاً به.
سياسياً، منح الاتفاق الرئيس الأمريكي دفعة مهمة قبل انطلاق القمة.
فالحرب مع إيران تسببت خلال الأشهر الماضية في تراجع شعبيته نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والضغوط الاقتصادية التي طالت المستهلك الأميركي.
لذلك جاء الإعلان عن الاتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز في توقيت مثالي لتخفيف الضغوط الداخلية وتحسين صورته أمام الرأي العام.
كما أتاح لترامب الوصول إلى إيفيان وهو يحمل إنجازاً دبلوماسياً يسعى إلى توظيفه في تعزيز مكانته الدولية وإظهار قدرته على إنهاء الصراعات بعد أشهر من التصعيد العسكري.
أما بالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن الاتفاق يفتح نافذة جديدة لتعزيز الحضور الأوروبي في الشرق الأوسط.
ففرنسا التي سعت منذ البداية إلى جعل قمة إيفيان منصة لإعادة الاعتبار للعمل متعدد الأطراف، ترى في مرحلة ما بعد الحرب فرصة لإطلاق مبادرات اقتصادية ودبلوماسية جديدة تشمل إعادة الإعمار وتعزيز الشراكات الإقليمية وتوسيع الحوار مع القوى الصاعدة.
ويأمل ماكرون أن يسمح الاتفاق بتعزيز الدور الأوروبي في ملفات المنطقة، بعد سنوات من تراجع التأثير الأوروبي أمام النفوذ الأمريكي والصيني والروسي.
ورغم أن الملف الأوكراني يحتل موقعاً متقدماً على جدول أعمال القمة، فإن الاتفاق مع إيران فرض واقعاً جديداً على النقاشات الجارية.
فبينما يرى بعض المسؤولين أن نجاح واشنطن في التوصل إلى اتفاق مع طهران قد يمنح زخماً دبلوماسياً جديداً لإنهاء الحرب في أوكرانيا، يرى آخرون أن الإدارة الأمريكية استهلكت جزءاً كبيراً من طاقتها السياسية في الملف الإيراني، ما قد يقلل من قدرتها على ممارسة ضغوط فعالة على موسكو خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الجبهة الأوكرانية تطورات ميدانية مهمة أعادت النقاش حول شكل أي تسوية مستقبلية بين روسيا وأوكرانيا.
اقتصادياً، فرضت تداعيات أزمة هرمز نفسها على القمة حتى قبل وصول القادة.
فإغلاق المضيق دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وأدى إلى ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والغذاء في العديد من الأسواق العالمية، ما أثار مخاوف واسعة من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
ورغم أن الإعلان عن الاتفاق أدى إلى تراجع أسعار النفط فوراً، فإن القادة يدركون أن آثار الأزمة لن تختفي بسرعة، خاصة مع استمرار الحاجة إلى إصلاح البنية التحتية المتضررة وإعادة تشغيل منشآت الطاقة المتأثرة بالحرب.
ولهذا يتوقع أن تشهد القمة نقاشات مكثفة حول أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات وتسريع مشاريع التحول نحو الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
تدخل قمة إيفيان أيامها الثلاثة وسط تحديات غير مسبوقة تتداخل فيها ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا والتجارة العالمية وأمن الطاقة.
ولم يعد نجاح القمة مرتبطاً فقط بإصدار بيان ختامي تقليدي، بل بقدرة القادة على تحويل الاتفاق الإيراني إلى مسار سياسي مستدام، وتقديم ضمانات حقيقية لدعم أوكرانيا، واحتواء الخلافات التجارية المتصاعدة بين ضفتي الأطلسي.
وبينما وصل ترامب إلى فرنسا حاملاً اتفاقاً غير متوقع، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مجموعة السبع استثمار هذا الاتفاق لصياغة مرحلة جديدة من الاستقرار الدولي، أم أنه سيبقى مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الأزمات؟
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
15:27
الوكالة الوطنية: النبطية الفوقا تتعرض لقصف مدفعي معاد متقطع
-
15:23
رويترز: ارتفاع سعر الذهب في المعاملات الفورية 0.6 بالمئة إلى 4334.06 دولار للأوقية (الأونصة)
-
15:15
الرئاسة الفلسطينية: نحذر من خطورة خطوة حكومة الاحتلال اليمينية التي أعلنت فيها إلغاء اتفاقيات الخليل بمنطقة الحرم الإبراهيمي
-
15:15
الرئاسة الفلسطينية: القرار الإسرائيلي يمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها
-
15:13
أبو صعب للميادين: لا يجب أن ننكر أن إيران حققت نتيجة في وقف إطلاق النار ووضعت لبنان بنداً أساسياً في ورقة التفاهم مع واشنطن
-
15:13
أبو صعب للميادين: لا يمكن إلا أن نحترم كل شهيد وجريح إرتقى دفاعاً عن لبنان
