اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

طالبت الجزائر باعتراف دولي صريح بالجرائم المرتبطة بالاستعباد والاستعمار، عبر دعوة الدول الإفريقية والمؤرخين والقانونيين في القارة إلى مواصلة العمل من أجل إدراج هذه الممارسات ضمن أخطر الجرائم التي عرفها التاريخ الإنساني.

وجاء هذا الموقف خلال المؤتمر الاستشاري رفيع المستوى حول العدالة الإصلاحية والتعويضات التاريخية المرتبطة بالاتجار عبر المحيط الأطلسي بالعبيد، في سياق حراك إفريقي متنام يسعى إلى إعادة طرح ملف الذاكرة الاستعمارية من منظور قانوني وتاريخي على الساحة الدولية.

وخلال أشغال المؤتمر، الذي شاركت فيه الجزائر ممثلة برئيس مجلس الأمة عزوز ناصري نيابة عن الرئيس عبد المجيد تبون، دعت الجزائر الأمم المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة إلى الإقرار بـ”الطابع الإجرامي المنهجي” للممارسات التي تعرضت لها الشعوب الإفريقية خلال حقبتي الاستعباد والاستعمار، معتبرة أن تحقيق العدالة التاريخية يمر عبر الاعتراف الرسمي بهذه الجرائم وتوثيقها.

وأكد ناصري أن الجزائر تدعم جهود المؤرخين الأفارقة وخبراء القانون الدولي الرامية إلى جمع الوثائق والشهادات والأدلة القانونية المتعلقة بالانتهاكات التي طالت شعوب القارة، مشيرا إلى استعداد بلاده لوضع ما بحوزتها من أرشيف ووثائق وشهادات تاريخية تحت تصرف الهيئات الإفريقية والدولية المختصة.

واستندت المرافعة الجزائرية إلى التجربة التاريخية للبلاد خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية بين عامي 1830 و1962، حيث تحدث رئيس مجلس الأمة عن “انتهاكات جسيمة” شملت أعمال قتل جماعي وقمع واسع النطاق واستعمال أسلحة محظورة، إضافة إلى التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية خلال ستينيات القرن الماضي. واعتبر أن هذه المعطيات تشكل جزءا من المادة التوثيقية التي تسعى الجزائر إلى توظيفها ضمن الجهد الإفريقي المشترك الرامي إلى إثبات الآثار القانونية والإنسانية للاستعمار.

كما رحبت الجزائر خلال المؤتمر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي باعتبار الرق العابر للمحيط الأطلسي من أبشع الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية، وعدّت هذا القرار خطوة مهمة نحو الاعتراف بالمعاناة التاريخية لملايين الأفارقة وأحفادهم، فضلا عن تعزيز حضور إفريقيا في صياغة وتطوير قواعد القانون الدولي.

وفي السياق نفسه، جددت الجزائر دعمها للمساعي التي يقودها الاتحاد الإفريقي من أجل تطوير مقاربة قانونية تعتبر الاستعمار والرق من الجرائم الدولية الجسيمة. واستحضرت في هذا الإطار نتائج المؤتمر الدولي الذي احتضنته الجزائر أواخر سنة 2025 تحت عنوان “جرائم الاستعمار في إفريقيا: نحو ترسيخ الحقيقة التاريخية وتجريم الاستعمار”، والذي توج باعتماد “إعلان الجزائر”، قبل أن يحظى بدعم قمة الاتحاد الإفريقي في فبراير 2026.

ويتضمن الإعلان جملة من التوصيات، من أبرزها الدعوة إلى الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، وإدراج تجريم الاستعمار ضمن قواعد القانون الدولي المعاصر، والحفاظ على الذاكرة التاريخية، واسترجاع الأرشيفات والممتلكات الثقافية المنهوبة، إلى جانب المطالبة بإثبات المسؤولية القانونية عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي خلفتها السياسات الاستعمارية في إفريقيا.

وتنسجم هذه المرافعة مع المواقف التي عبر عنها الرئيس عبد المجيد تبون خلال القمة الـ39 للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا خلال شباط الماضي. ففي ذلك الوقت، أكد الرئيس الجزائري في رسالة تلاها الوزير الأول سيفي غريب، استعداد بلاده لتقديم وثائق وأدلة وشهادات تاريخية للهيئات القانونية الإفريقية المختصة من أجل دعم الجهود الرامية إلى توصيف بعض ممارسات الحقبة الاستعمارية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية أو أفعالا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق شعوب القارة.

وأشار تبون إلى أن التجربة الجزائرية، التي امتدت لأكثر من 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، توفر مادة تاريخية وقانونية مهمة يمكن الاستناد إليها في النقاش الدائر داخل الاتحاد الإفريقي حول الآثار القانونية للاستعمار. كما دعا إلى اعتراف دولي واضح بالممارسات التي شملت الترحيل القسري والتعذيب والتطهير العرقي والاضطهاد المنهجي، معتبرا أن ذلك يندرج ضمن مسار أوسع لتحقيق العدالة التاريخية.

وعلى الصعيد الداخلي، ارتبط هذا المسار بإقرار قانون تجريم الاستعمار، الذي صادق عليه البرلمان الجزائري خلال عام 2026 بعد سنوات من الجدل والمحاولات السابقة التي لم تكتمل. ويصنف القانون الاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، ويطالب بالاعتراف الرسمي بالانتهاكات المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية، مع التأكيد على ملفات محددة مثل الأرشيف، والتفجيرات النووية، وخرائط الألغام، ورفات المقاومين المحتجزة في الخارج.

ويتضمن النص سردا موسعا للأفعال التي يعتبرها جرائم استعمارية، من بينها القتل العمد، والتعذيب، والنفي والترحيل القسري، والتمييز العنصري، والتجارب النووية والكيميائية، ومصادرة الممتلكات، وتدمير البنى الاجتماعية والثقافية. غير أن الصيغة النهائية للقانون شهدت تعديلات عدة، أبرزها حذف المطالبة الصريحة بالاعتذار والتعويض الشامل، مع الإبقاء على مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم وبعض المطالب المرتبطة بجبر الأضرار الناتجة عن التفجيرات النووية والألغام.

وكان رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي في تصريحات سابقة، قد أشار إلى أن أهمية القانون تتجاوز البعد الوطني، لكونه يطرح مقاربة قانونية وأخلاقية لمسألة الاستعمار في إطار القانون الدولي. كما أوضح أن النص سيُترجم إلى عدة لغات ليكون مرجعا يمكن أن تستفيد منه دول أخرى عانت تجارب استعمارية مماثلة.

الأكثر قراءة

تعنت اسرائيلي... والمقاومة ترفض التفاوض المباشر نصائح عربية - فرنسية بتغيير اولويات مسار واشنطن