اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يمهل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وينصحه بأن يكون "سلوكه العسكري" في لبنان غير متهوّر ولا يؤذي "اتفاق النوايا" بين واشنطن وطهران ويذكّره بأن اسرائيل تقع في دائرة الإلتزامات الأميركية وما كانت لتقوم وتستمر خارجها. وبالتالي لا ينبغي أن يكون لسلوكها أن يشكّل تهديدا للأمن القومي الأميركي. وبهذا المعنى "اتفاق النوايا" هو تفصيل أساسي في تعريف الأمن القومي الأميركي في ظل التحوّلات العميقة التي أنتجتها الحرب والتي شاءت فيها اسرائيل أن تتحوّل إلى قوة عظمى لو نجحت أهداف الحرب من تدمير البنى التحتية الايرانية ومن الإغتيالات والهيمنة الجوية والبحرية.. ولكن كما يقول المثل الشعبي "مالت الرياح إلى حيث لا تشتهي السفن". وكان مضيق هرمز القنبلة النووية الايرانية التي فجّرت الإقتصاد العالمي والأسواق المالية والبورصات والأزمات النفطية والغازية والغذائية وأسعار السلع. وكان المفاجأة غير المتوقعة في الحسابات الأميركية ما جعل من "المضيق" عقدة الحرب والتفاوض في آن معا. ورسم بذلك "بدايات الإختراق" بين ما تريده واشنطن وما تريده تل أبيب. وهذا الإفتراق النسبي هو الذي يتحكّم حاليا بالعلاقات الأميركية-الاسرائيلية. فالمقاربة الأميركية لاسرائيل في المنطقة أنها وكيلة واشنطن ولا تملي السياسات. أي أنها أحد أدوات السياسة العسكرية أو الديبلوماسية للولايات المتحدة التي لا ترتقب تمرّدا اسرائيليا كما يحصل مع بنيامين نتنياهو الذي كان إلى أيام قريبة يعتبر دونالد ترامب هو أفضل الرؤساء الأميركيين وأنه كان يسانده في الإنتخابات الرئاسية الأميركية.

لا شك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحريص على أن تكون مكانة اسرائيل محفوظة في إطار الرؤية الأميركية لتوازنات المنطقة في الطريق إلى السلام الطويل يجد نفسه مضطرا إلى مواجهة التصعيد العسكري الاسرائيلي من البوابة اللبنانية من جانب نتنياهو واليمين الديني اليهودي وباتخاذ عدد من الخطوات الضرورية. منها إقناع ايران بأن لا تذهب إلى الحرب مع اسرائيل. أي أن البيت الأبيض يرتقب تفهّما ايرانيا لكون محاولة التخريب الاسرائيلية "لاتفاق النوايا" لا يستهدف ايران وحدها وإنما في الأساس السياسات الأميركية الناجمة عن هذا الإتفاق. هذا أولا. وثانيا تعرف واشنطن أن اسرائيل لا يمكنها الذهاب إلى حرب مع ايران كونها تعتمد على تزويد الولايات المتحدة الأساسي لها بالأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي المتطوّرة والصواريخ البالستيّة. وثالثا الإحتياجات الاسرائيلية الأمنيّة والمعلومات الإستخبارية التي تفترض تعاونا وتنسيقا مع واشنطن. ورابعا الخطوات الأميركية المرتقبة على المسار الاسرائيلي-اللبناني والذي ترعاه واشنطن. فهذه الخطوات من بين أهدافها الطارئة من الجانب الأميركي "حماية اتفاق النوايا" عبر أفكار أميركية مرنة تعتمد على التكنولوجيا المتقدّمة لمراقبة الحدود اللبنانية ومنها انسحاب حزب الله من "المنطقة التجريبية" وتوسيع دور المؤسسة العسكرية في الجنوب اللبناني بعد رفع عديده وتزويده بالأسلحة وتوفير الإجماع السياسي اللبناني حوله. إضافة إلى تدرّج في الإنسحاب العسكري الاسرائيلي إلى ما بعد الحدود. وهذا ما سيعزز وضع قائد المؤسسة العسكرية العماد رودولف هيكل الذي يحظى بثقة واحترام المكوّنات اللبنانية والملتزم بمفهوم السيادة والسلم الأهلي والحوار سبيلا لحل الخلافات. وخامسا لن تعترض واشنطن على أي خطوات في مجلس الأمن هدفها إقرار الثوابت لإحلال السلام في المنطقة استنادا للقرارين الدوليين 242 و338خصوصا مع تنامي العزلة الدولية لمشروع التوسّع الجغرافي الاسرائيلي في لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة ومع سياسات التدمير والتهجير القسري والعقاب الجماعي. وسادسا يلوّح ترامب صراحة لنتنياهو أن فرصته للبقاء في المسرح السياسي هي بترميم وضعه الداخلي المضطرب. وهذا تفسيره أن هامش التصعيد الاسرائيلي لبنانيا محدود بفترة زمنيّة قصيرة جدا وغير متهوّرة. وإلا فإن واشنطن ستؤيّد خصومه في المعارضة عبر الإنتخابات النيابية وحتى قبلها.

ختاما المعارضة الأميركية الرسميّة لسياسات نتنياهو هدفها أيضا قطع الطريق على الصقور في الإدارة الأميركيّة الذين يتربّصون "باتفاق النوايا". وهذا ما ينتبه إليه جيدا الرئيس ترامب ونائبه جيه دي فانس. وهذا أمر في مصلحة لبنان الذي هو المدخل لنجاح مفاوضات الستين يوما بين واشنطن وطهران.