اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع انتقال المفاوضات حول معالجة الازمة اللبنانية الى مرحلة مفصلية وحساســة، تتجه الانظار نحو الموقف الرسمي في ظل ما افضت اليه التطورات الإقليمية والدولية من تفاهمات وتوازنات أولية يُفترض أن تنعكس تهدئة على الساحة اللبنانية. ففي وقت دخلت فيه المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مرحلة السرية التامة، تتزايد المخاوف لدى أطراف سياسية محلية، من أن تتحول موازين القوى الجديدة إلى ركائز لمعادلات سياسية على الساحة اللبنانية كما في المنطقة، كما حصل بعد الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حيث انعكست أجواء الانفراج بين الغرب وإيران على عدد من الملفات الإقليمية، من العراق إلى سوريا وصولا إلى لبنان.

غير ان هذه النقطة التي لا تزال تثير الكثير من التساؤلات في بيروت، زاد من غموضها، تاكيد مصادر بعبدا ان لبنان لم يتبلغ بعد اي آلية لتطبيق وقف اطلاق النار، لذلك ينظر المسؤولون اللبنانيون الى جولة واشنطن باعتبارها فرصة للحصول على اجوبة اوضح بشأن كيفية ترجمة التفاهمات الاميركية - الايرانية الى اجراءات ميدانية قابلة للتنفيذ. فهل يلتقط لبنان هذه اللحظة لبناء دولة فعلية، أم يبقى ورقة مفتوحة على طاولة الرسائل والتسويات؟

مفاوضات واشنطن

ووسط التوقعات بان تسرع اسرائيل من وتيرة التفاوض مع لبنان توصلا الى اتفاق امني ثنائي، تطالب به بيروت، كرد فعل على الاتفاق الاميركي - الايراني، انطلقت في واشنطن جولة جديدة من المفاوضات الاسرائيلية - اللبنانية، التي تكتسب اهمية اضافية كونها تأتي بعد اتفاق سويسرا على انشاء خلية المتابعة، والتي تختلف التوقعات بشأن نتائجها، مع انعقاد جولتها الاولى في مقر الخارجية الاميركية بمشاركة الوفود الديبلوماسية والعسكرية، حيث ابدى خلالها الجانب اللبناني انفتاحه الكامل على التوصل الى «حلول واضحة وعملية قابلة للتطبيق على المستويين الامني والعسكري»، قبل ان ينفصل الوفدان العسكري والسياسي.

اما مرحلتها الثانية اليوم، فتقتصر على لقاءات في البنتاغون للوفدين العسكريين، تناقش مواضيع واجراءات امنية وعسكرية مرتبطة بتحديد وآلية تطبيق المناطق التجريبية، وسبل تعزيز وقف اطلاق النار، حيث كشفت المعلومات عن اجتماع عقد في الخارجية ضم وزير الخارجية ماركو روبيو، وقائد القيادة المركزية في الجيش الاميركي، الادميرال براد كوبر، الذي كلف تشكيل غرفة عمليات عسكرية تابعة لقيادته تتولى الاشراف ومراقبة ومتابعة الوضع في الجنوب، على ان يكون لها مقر في عوكر، تمهيدا لانهاء اعمال «الميكانيزم» بصيغتها السابقة، فيما علم ان اللجنة ستكون على تواصل مع الخلية التي نشات عن اجتماعات سويسرا.

اما اليوم الثالث والاخير، فسيشهد اجتماعات للوفود الديبلوماسية في الخارجية لمتابعة بحث المواضيع والملفات المطروحة، بما فيها صيغة اولية لاتفاق امني بين البلدين، وضع مسوّدته الجانب الاميركي، على ان يصدر في ختام الجولة «اعلان نوايا» يحدد الاطار العام للمرحلة المقبلة.

المناطق التجريبية

مصادر لبنانية متابعة، اشارت الى ان لبنان «محشور» في مسالة المناطق التجريبية، فواشنطن تتبنى المطالب الاسرائيلية في هذا الخصوص لجهة تحديد رقعها الجغرافية، حيث رشح ان تل ابيب تطرح فكرة دخول الجيش الى منطقة علي الطاهر ومحيطها وتنظيفها، في مسعى لخلق اشكال داخلي بين الجيش وحزب الله، خصوصا ان تلك العملية تحتاج الى تعاون وتنسيق بين الطرفين، في ظل الامكانات الحالية للجيش، والاهم انها تحتاج الى غطاء سياسي جامع، غير متوافر حتى الساعة في ظل الرفض المبدئي لتلك المناطق من قبل الثنائي، مع ليونة في حال اعتماد القضاء، باعتباره يسقط معادلة «الخط الاصفر» في وقت برز فيه خلال الساعات الماضية اقتراح يحدد ضفتي نهر الليطاني بعمق 2 كلم كمنطقة تجريبية، وهو ما يطرح الكثير من الاشكاليات، كونه يتناول المناطق التي حاول الاسرائيلي الوصول اليها دون ان ينجح في ذلك، علما ان نقطة الخلاف الرئيسية تبقى في اصرار لبنان أن تكون هذه المناطق داخل «الخط الأصفر»، أي المناطق التي احتلتها إسرائيل، بينما تريد الأخيرة أن تكون «المناطق التجريبية» خارجه.

خطر جيولوجي

ووسط استمرار التباين بشأن آليات تنفيذ التفاهمات الأمنية والانسحابات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، علم ان الجانب اللبناني سيطالب بتسليمه «منشأة مجدل زون»، في القطاع الاوسط، الواقعة على عمق عشرات الأمتار تحت سطح الأرض، وتضم شبكة واسعة من الأنفاق وغرفاً محصنة ومنصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يجعلها من أبرز البنى العسكرية الموجودة في المنطقة، والتي يتمسك الجيش الاسرائيلي حتى الساعة بتدميرها، رافضا تسليمها، حيث تشير التقديرات الى أن أي عملية تفجير للمنشأة قد تؤدي إلى انفجار ضخم يُحدث هزة أرضية قد تصل قوتها إلى نحو 3 درجات على مقياس ريختر، ما يثير مخاوف من تداعياته على المناطق المحيطة.

ملف الاسرى

ومن الملفات المطروحة على الطاولة ايضا، ملف الاسرى، بكل ما يحمله من تعقيدات، خصوصا ان اللوائح التي كان سبق وسلمت من قبل لبنان قد باتت بحاجة الى تحديث، فيما مصير العشرات من الاشخاص مجهول، مع رفض اسرائيل تقديم اي لوائح بالاسرى لديها، او السماح للمنظمات الدولية الانسانية بزيارتهم في السجون، وسط معلومات عن لغم اسرائيلي في هذا الملف، يتمثل بادراجها اسم الطيار رون اراد، من ضمن اي صفقة محتملة، وهو ما قد ينسف اي عملية تقدم في هذا الملف.

غير سالكة

في غضون ذلك تستمر خطوط التواصل مفتوحة في الداخل اللبناني، دون ان تنجح حتى الساعة في تأمين زيارة رئيس المجلس الى بعبدا، والذي اكد امس ان اتفاق ت2 2024 فرصة جاهزة بما يتضمنه من آلية لتثبيت وقف اطلاق النار والتحقق من اي خروقات او تهديدات، اذا ما تم تبنيه في المفاوضات الجارية في سويسرا.

وامس أعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، «نحن مع اتفاق الطائف والدستور، وتجربة حزب الله من أهم التجارب في التعامل مع الآخرين وفي الوطنية بالميدان»، واعتبر ان «دور الميدان هو الاساس ولو لم تكن المقاومة في الميدان والشباب الاسطوري الاستشهادي العظيم بنموذجه الراقي لما وصلنا الى هذه النتيجة». وقال : «إسرائيل لا تحترم أحدًا ولن تبقي أحدًا وعلى الأقل نحن نستطيع التفاهم معكم ونصل الى نتيجة»، وجدد التأكيد ان «الضمانة الوحيدة لتحرير الأرض هي المقاومة في مواجهة الاحتلال من قِبل الجيش والشعب والمقاومة».

من جهتها، مصادر مقربة من الحزب الى ان حارة حريك في انتظار نتائج جولة المفاوضات الحالية في واشنطن، ومواقف الوفد اللبناني، لتبني على الشيء مقتضاه، لجهة نقل التشاور مع رئيس الجمهورية الى المستوى المباشر، ام ابقائه على وضعه الحالي، عبر القنوات غير المباشرة مضيفة ان الحزب يطرح مسالتين اساسيتين اضافيتين، الاولى، تراجع الحكومة عن قرارات 2 آذار، والثانية، تسوية وضع السفير الايراني، في اطار العلاقات مع الجمهورية الاسلامية، حيث تشير المعطيات الى حدوث خرق على هذا الصعيد، خصوصا بعد اعطاء الاقامة للقائم بالاعمال الجديد.

اتصالات دولية

وكانت المستجدات اللبنانية والاقليمية حضرت في النشاط السياسي الداخلي، اذ اتصل الرئيس الفرنسي بكل من بعبدا والسراي، قبل ان يتلقى رئيس الجمهورية اتصالا من نائب الرئيس الاميركي، ووزير الخارجية، تم خلاله التداول في آخر التطورات المتصلة بالوضع في لبنان ومرحلة ما بعد اجتماعات سويسرا.

وكان اكد الوزير روبيو أن ملف لبنان منفصل عن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، مشدداً على أن مستقبل لبنان يقرره اللبنانيون أنفسهم وليس أي طرف خارجي.

وقال إن واشنطن تتعامل بشكل مباشر مع الحكومة اللبنانية، مؤكداً أن قضية «وكلاء إيران» في المنطقة ستكون من الملفات التي ستُطرح في الوقت المناسب خلال المباحثات الجارية مع طهران. وأضاف أن إنهاء الأعمال القتالية في الشرق الأوسط لن يكون ممكناً إذا استمرت الجماعات المدعومة من إيران في إطلاق الصواريخ، في إشارة إلى التوترات المستمرة على أكثر من جبهة إقليمية.

حذر في الجنوب

مفاوضات واشنطن، واكبتها خروقاتٌ اسرائيلية لاتفاق وقف النار جنوبا تشكّل اختبارا لآلية متابعة تنفيذ الاتفاق، فبينما جددت الحكومة الاسرائيلية التأكيد ان جيشها باق في المنطقة الامنية، ألقت المسيّرات الاسرائيلية، التي لم تغب عن اجواء بيروت وضاحيتها الجنوبية، قنبلة صوتية على بلدة كفرتبنيت، وعند اطراف بلدة عيتا الجبل، والحي الشرقي لبرعشيت، فيما اطلق الاحتلال النار باتجاه عدد من الاهالي عند اطراف بلدة حداثا، كما افيد عن استشهاد شخص وإصابة اثنين آخرين بنيران إسرائيلية في النبطية الفوقا.

ارقام خطرة

على صعيد آخر حذّرت دراسة أعدها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات»، نشرت في 18 حزيران الجاري، من أن لبنان يقف أمام موجة هجرة جديدة نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية والحروب، حيث يتمثل خطرها الاكبر في هجرة الشباب والكفاءات، ما يفاقم أزمة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. الدراسة التي استندت إلى استطلاع شمل عينة من 1500 لبناني، من مختلف المناطق والطوائف والفئات العمرية، بينت أن 37 في المئة من اللبنانيين يفكرون في مغادرة لبنان للعمل أو الاستقرار في الخارج، تتراوح اعمار النسبة الكبرى منهم بين 18و 34 عاما، وهي من أعلى نسب الرغبة في الهجرة عالميًا.


الأكثر قراءة

هل تنجح مفاوضات واشنطن في ترجمة تفاهمات سويسرا؟ روبيو: لبنان خارج الاتفاق وغرفة عسكرية لمواكبة «الخلية الرباعية»