اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن "مجلس السلام" المدعوم من الأمم المتحدة والذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع العام الجاري لتولي إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، يدرس اعتماد إطار قانوني يمنح أعضاءه والعاملين معه حصانة واسعة من الملاحقة القضائية، إلى جانب صلاحيات تتيح له استخدام مرافق وممتلكات عامة داخل القطاع دون مقابل.

واطلعت الصحيفة على مسودة قرار مؤلفة من أربع صفحات تحمل تصنيف "حساس لكنه غير سري"، وتنص على منح الحصانة لأعضاء مجلس السلام، ومكتب الممثل الأعلى التابع له، والكوادر الفلسطينية المشاركة في الإدارة، والقوات العسكرية الدولية، إضافة إلى المتعاقدين الأجانب الذين سيعملون في غزة، بحيث تشمل الحصانة أي اعتقال أو احتجاز أو إجراءات قانونية أمام المحاكم أو الجهات القضائية داخل القطاع. وتثير المسودة تساؤلات بشأن ما إذا كانت الحصانة المقترحة تقتصر على الدعاوى القضائية داخل غزة، أم أنها تمتد أيضاً إلى المحاكم والهيئات القضائية الدولية، إذ لا توضح الوثيقة هذه النقطة بشكل صريح.

صلاحيات للرئيس وإدارة للمجلس

وبحسب مشروع القرار المؤرخ في حزيران 2026، يمتلك رئيس مجلس السلام، دونالد ترامب، صلاحية رفع الحصانة عن أي شخص مشمول بها، شريطة موافقة أغلبية أعضاء المجلس التنفيذي. ويتألف المجلس التنفيذي من سبعة أعضاء، من بينهم جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وسوزي وايلز، وماركو روبيو، فيما تشير الغارديان إلى أن معظم التعهدات المالية الدولية المخصصة لدعم إدارة غزة لم تتحول بعد إلى تمويل فعلي، كما لم يتم حتى الآن إرساء عقود رئيسية لإعادة الإعمار. ورداً على استفسارات الصحيفة، أحال البيت الأبيض الأسئلة إلى مجلس السلام، الذي نفى وجود أي قرار نافذ أو إطار حصانة بالشكل الوارد في المسودة.

وقال مسؤول في المجلس إن "أي ادعاء بأن العملية تهدف إلى خلق حالة من الإفلات من العقاب أو غياب سيادة القانون هو ادعاء مضلل وغير صحيح"، مؤكداً أن جميع العاملين والمتعاقدين سيخضعون للقوانين السارية وآليات واضحة للمساءلة والرقابة، دون أن يقدم تفاصيل بشأن طبيعة تلك الآليات. كما نفى المسؤول بشكل قاطع أن يكون للرئيس الأميركي أي دور في منح أو إلغاء الحصانة القانونية داخل غزة.

اجتماعات في القاهرة

وفي موازاة ذلك، يواصل الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، اجتماعات في القاهرة مع مسؤولين فلسطينيين اختارهم المجلس للمشاركة في إدارة القطاع. وبحسب شخص مطلع على جدول الاجتماعات، تركز المناقشات على استكمال الإطار الإداري والتنفيذي لعمل المجلس، فيما لم تُعرض مسودة القرار الخاصة بالحصانة حتى الآن على المسؤولين الفلسطينيين المشاركين.

مخاوف قانونية

وعرضت الغارديان مشروع القرار على ستة محامين متخصصين في القانون الدولي وقانون التعاقدات الأميركية، الذين اعتبروا أن الصياغة الحالية تثير تساؤلات بشأن آليات مساءلة أعضاء المجلس والقوات والمتعاقدين في حال وقوع حوادث إطلاق نار أو وفيات أو أضرار تلحق بالمدنيين أثناء تنفيذ عمليات إعادة الإعمار. وأشار الخبراء إلى أن تجارب إعادة الإعمار الأميركية في العراق وأفغانستان شهدت نزاعات قانونية واسعة على خلفية اتهامات بالفساد أو إساءة استخدام القوة من قبل شركات أمنية ومتعاقدين، من بينهم شركتا "بلاك ووتر" و"كيه بي آر"، وهو ما قد يتكرر في غزة إذا لم توضع قواعد قانونية واضحة.

وقالت المحامية المتخصصة في القانون الإنساني الدولي إيميلي شيفر عمر-مان إن مشروع القرار "يبدو محاولة لإعفاء المجلس وجميع العاملين فيه من المساءلة عن أي انتهاكات قانونية محتملة“.

لا رقابة خارجية

وأبدى عدد من الخبراء قلقهم بشكل خاص من المادة السابعة في مشروع القرار، والتي تمنح مجلس السلام صلاحية النظر والفصل في المطالبات المتعلقة بالخسائر المادية والإصابات والوفيات الناجمة عن عملياته داخل غزة. ورأت أستاذة القانون الدولي في جامعة روتجرز، نورا عريقات، أن هذه الصياغة تعني عملياً إنشاء نظام قانوني مستقل يخضع للمجلس نفسه، معتبرة أن "المسودة تنشئ منظومة قانونية خاصة بها من دون رقابة خارجية، بما في ذلك قواعد القانون الدولي المتعلقة بالاحتلال".

كما نقلت الغارديان عن مسؤولين في قطاع المقاولات أن الشركات المهتمة بالمشاركة في إزالة الأنقاض والأعمال الأمنية ومشروعات إعادة الإعمار طالبت بتوضيح الضمانات القانونية التي ستحكم عملها داخل القطاع.

وقال دوغ بروكس، الرئيس الفخري للرابطة الدولية لعمليات الاستقرار، إن أي شركة أمريكية جادة ستحتاج إلى إطار قانوني واضح قبل الدخول في مثل هذه المشروعات، نظراً لما يترتب عليها من مسؤوليات قانونية وتأمينية.

وأضاف متعاقد أمني أمريكي أن إسرائيل لا ترغب في التفاوض بشأن اتفاقية "وضع القوات" الخاصة بغزة، لأن ذلك قد يُفسر باعتراف ضمني بالقطاع ككيان ذي وضع قانوني مستقل.

استخدام ممتلكات عامة

وتتضمن الفقرة الأخيرة من مشروع القرار بنداً ينص على أن يحصل مجلس السلام ومكتب الممثل الأعلى والقوة الأمنية الدولية على المباني والمرافق العامة اللازمة لتنفيذ مهامهم "دون مقابل".

ويرى خبراء قانونيون أن هذه الصياغة قد تفتح الباب أمام الاستيلاء على ممتلكات فلسطينية، في ظل غياب تحديد واضح للجهة المخولة قانونياً بتوفير تلك المرافق، سواء كانت إسرائيل أو السلطة الفلسطينية أو أي جهة أخرى.

ووفقاً للصحيفة، يعتزم المجلس إنشاء قاعدة للقوة العسكرية الدولية، إضافة إلى مراكز لوجستية لدعم عملياته، في إطار خطة تستهدف المساعدة في نزع سلاح حركة حماس، وهو أحد الشروط الأساسية في خطة السلام التي طرحها ترامب.

انتقادات للسلطات المقترحة

وانتقد المدير التنفيذي لمنظمة "داون"، عمر شاكر، البنود المتعلقة باستخدام الأراضي والممتلكات، معتبراً أن منح المجلس صلاحية الاستحواذ على أراضٍ أو مبانٍ فلسطينية من دون موافقة أو تعويض يمثل توسيعاً لسلطاته القانونية، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى انتهاكات جسيمة إذا لم يخضع لإطار قانوني ورقابي واضح.

كما أثار محامون تساؤلات حول الأساس القانوني الذي يستند إليه المجلس في السيطرة على مرافق عامة داخل غزة، في ظل عدم وجود اتفاق رسمي ينظم وضع القوات الدولية أو يحدد صلاحياتها.

قرار أممي حتى نهاية 2027

وكان مجلس الأمن الدولي قد فوض مجلس السلام بالإشراف على إدارة غزة حتى 31 كانون الأول 2027، بينما تتمتع بعثات الأمم المتحدة عادة بحصانات وامتيازات قانونية محددة بموجب القانون الدولي.

إلا أن الغارديان تشير إلى أن مشروع القرار يستند إلى بعض هذه الأطر القانونية الخاصة بالأمم المتحدة، دون أن يتضح ما إذا كان مجلس السلام يمتلك الحق القانوني للاستفادة من تلك الحصانات أو توسيع نطاقها بصورة مستقلة.

وتنص المسودة على أن القرار يدخل حيز التنفيذ بمجرد توقيع الممثل الأعلى للمجلس نيكولاي ملادينوف، فيما لم يوضح المجلس ما إذا كانت هناك أطراف أخرى ستوقع على القرار، الأمر الذي دفع بعض الخبراء إلى التشكيك في مدى قوته القانونية وإلزاميته إذا اقتصر توقيعه على المجلس وحده.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

مصير "اسرائيل" بيد "يهوه" أم بيد أميركا؟