اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بهدوء شديد، وحسابات عاقلة، يعد رئيس مجلس النواب نبيه بري انتفاضة وطنية، ضد مذكرة التفاهم الموقعة بين السلطة التنفيذية و "اسرائيل". وبالتفاهم والتنسيق مع حزب الله، بدأ سلسلة من الاتصالات العابرة للطوائف والتيارات السياسية، لاستعادة المعنى الوطني الحقيقي للسيادة، باعتبارها ليست وجهة نظر تتسلح بالدستور والقانون، لاثبات حجم الخطيئة المرتكبة والمبطلة لمفاعيل تلك الوثيقة، التي تجعل لبنان ملحقا بدول خارجية.

ووفق اوساط مطلعة على الاجواء في "عين التينة"، فان ما بدأه بري هو كمقاومة قانونية دستورية شاملة، تدعم عند اللزوم بهبة شعبية مدروسة تحت عنوان عدم التفريط بمصير الكيان اللبناني، وعدم منح الاحتلال اي شرعية، واسترداد السيادة بمعناها الحقيقي.

ووفقا لتلك الاوساط، قبل توقيع المذكرة كانت ثمة محاولة لتصحيح الخلل القائم في اشكالية التفاوض المباشر مع "اسرائيل" في واشنطن، وفتحت قنوات الاتصال المباشرة بين الرئاسة الاولى والثانية، وفعل خط التواصل ايضا بين بعبدا وحزب الله، وتجاوز النقاش مسألة التفاوض باعتباره وسيلة لحل النزاعات، ولم تصل النقاشات الى نتيجة حول سيئات التفاوض المباشر، لهذا تمحورت ملاحظات "الثنائي" على ضرورة عدم منح "الاسرائيليين" اعترافا سياسيا، او منحهم صكا بانهاء العداء، وعدم منحهم التزامات مجانية ودون اثمان، وربط اي تفاهمات بتحقيق النقاط الخمس المتفق عليها اصلا: وقف شامل للنار، الانسحاب، عودة الاهلي، اعادة الاعمار، تحرير الاسرى.

وكان النقاش يجري على "قدم وساق" ، كي لا يتجاوز اي التزام لبناني اتفاق الهدنة الموقع عام 1948. وبحسب تلك الاوساط فان هذا الاتفاق لم يؤسس لعلاقات ديبلوماسية أو سياسية مع "اسرائيل"، ولم ينه حال العداء القائمة آنذاك، بل اقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية، وتحديد خطوط الهدنة، وإنشاء آليات لمعالجة الحوادث الحدودية، تحت إشراف الأمم المتحدة... وقد استطاع اتفاق الهدنة أن يحقق هدفا عمليا يتمثل في وقف المواجهات العسكرية، من دون أن يحدث تحولاً في البنية القانونية للعلاقة الثنائية.

لكن ما حصل كان العكس تماما، فبحسب الاوساط، لا يوجد في مضمون المذكرة اي مكسب للبنان، بل سلسلة من التنازلات غير المحدودة وغير المبررة، وهي برأي تلك الاوساط، اسوأ وثيقة عربية وقعت مع "اسرائيل" حتى الآن، وحتى اتفاق اوسلو يبدو افضل منها باشواط...

اما اعلان الرئيس بري انها "ساقطة"، فلا يتعلق فقط بالمضمون. فمن ناحية الشكل، لا يحق لاي كان في السلطة التفرد في إنشاء التزامات قد تمس البنية القانونية القائمة للدولة، فالمذكرة تتعارض مع النظام الدستوري اللبناني، وتتعارض مع القوانين النافذة، وما حصل يعد تجاوزا لحدود السلطة التنفيذية في إدارة العلاقات الدولية او صياغة المعاهدات.

وبرأي الرئيس بري، فان هذا الاتفاق يخالف احكام الدستور، بعد ان سمح الاتفاق لقوات الاحتلال بالبقاء على الأراضي اللبنانية، واستكمال عملياتها العسكرية ضدّ اللبنانيين، ومنع أهالي هذه الأراضي من العودة إليها، الا بشروط تعجيزية، وربط مصير الاسرى بجثة رون اراد المجهول المصير منذ 40 عاما، ووضع الجيش تحت وصايا دول اجنبية، كما منح الاتفاق "اسرائيل" صك براءة عن كل جرائمها من خلال بند عدم مقاضاتها... وكذلك سلب الاتفاق اللبنانيين الحق في أن تكون لهم مقاومة مسلّحة تدافع عنهم وعن أرضهم، وهو حق مشروع ومكرّس في القانون الدولي والدستور اللبناني؟!

وامام هذه الوقائع، تؤكد تلك الاوساط ان"الثنائي" لا يزال يراهن على مسار جنيف، ويترقب المفاوضات الايرانية - الاميركية، وهو ينطلق في حراكه من قاعدة دستورية وقانونية صلبة، باعتبار ان المنظومة القانونية اللبنانية تعتبر "إسرائيل" دولة عدوة، وتضم قوانين نافذة تجرم التعامل معها.

توازيا، ستكون المؤسسات التنفيذية والتشريعية مركز المواجهة الفعلي لاسقاط المذكرة، التي لم تأخذ اي اطار قانوني بعد، لكن اي محاولة لتنفيذها على ارض الواقع عبر استخدام "البلطجة" التي تحرض عليها واشنطن، تعتبر تجاوزا "للخطوط الحمراء"، وسيتم التعامل مع الامر بالمثل، وقد ابلغ المعنيون باربع ثوابت: لا مس بالجيش او قائده، ولا ترجمة عملية لاي تفاهم امني، ولا تطبيع سياسي مع العدو، ولا معالجة لملف السلاح الا ضمن حوار وطني داخلي.

الأكثر قراءة

بـري للـ«الديار»: أنا مستعد للتسـوية... إذا كـان الطـرف الآخـر مـستعداً