اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في خطوة استثنائية وغير مسبوقة في تاريخ العلاقات المتأزمة بين البلدين، قدمت هافانا تنازلاً تاريخياً لواشنطن، بعد أن أشرعت الأبواب رسميًّا أمام الشركات الأميركية للاستثمار في قطاعاتها الحيوية والاستراتيجية، وعلى رأسها النفط والمعادن الثمينة.

وتشير المصادر الإعلامية والسياسية في العاصمة كوبا إلى أن النظام الحالي يرمي بآخر أوراقه السياسية والاقتصادية بحثاً عن "طوق نجاة" لإنقاذ اقتصاده المنهك، ومحاولةً منه لتفادي سيناريو مواجهة عسكرية تلوح مؤشراتها القريبة في الأفق عند سواحل منطقة الكاريبي.


انحسار هوامش التحرك

وتضيف المصادر، أنّ إسقاط الخطوط الحمراء الكوبية التي كثيرا ما حكمت العلاقة مع واشنطن، يثبت أنّ هوامش المناورة لدى هافانا باتت ضيّقة جدّا.

وتعاني كوبا من شلل اقتصادي وطاقي، أفضى إلى شبه انقطاع كامل للتيار الكهربائي في البلاد، وذلك بسبب الحصار الذي تفرضه واشنطن عليها، بالإضافة إلى العقوبات المالية القاسية التي استهدفت المنظومة المالية للنظام الكاستري.  

وتكشف مصادر سياسية كوبية مطلعة عن انتصار مؤقت للحمائم ضد الصقور في هافانا، حيث انخفضت خلال الفترة الأخيرة نبرة الخطاب الرسمي ضدّ واشنطن، التي أصبحت تميل بشكل واضح إلى الحلول السلمية والتفاوضية بل واعتبار واشنطن شريكا اقتصاديا محتملا لهافانا خلال الفترة المقبلة. 

وفي سياق التهدئة، تتنزل التصريحات المثيرة التي أدلى بها ممثل كوبا لدى الأمم إرنستور سوبيرون غوزمان لمحطة "WABC77" التلفزيونية وهي قناة فضائية محافظة  تبث من نيويورك؛ حيث اعتبر غوزمان خلال المقابلة الصحفية أنّ هافانا مستعدّة لفتح ملفات التعاون مع واشنطن في ملفين اثنين في غاية الأهمية للطرفين، وهما الهجرة غير الشرعية ومكافحة تهريب المخدرات، مضيفا إمكانية أن تنفتح مجالات التعاون على الاستثمارات والرعاية الصحية. 

ولم يتوقف العرض الكوبي عند الملفات الفنية، بل ذهب الدّبلوماسي الكوبي إلى مدى أبعد بإعلان استعداد نظامه لمناقشة قضايا الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، رابطا هذا الاستعداد بشرط "المعاملة بالمثل واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية". 

دعوة للاستثمار في قطاعي الطاقة والمعادن

مسار التنازلات لم يقف عند هذا، حيث وجّه غوزمان دعوة غير مسبوقة للشركات الأمريكية وخاصة المتمركزة في ولاية فلوريدا، - محضن ومعقل الطبقة الكوبية الثرية والميسورة- إلى الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية الكوبية على غرار التنقيب عن النفط والتعدين والزراعة والسياحة وغيرها.   

تأتي هذه "الدعوة الدبلوماسية" التي قادها ممثل كوبا لدى الأمم المتحدة، إرنستو سوبيرون غوزمان، عبر منصات إعلامية أمريكية محافظِة، كاستجابة دراماتيكية لحالة "الاختناق الشامل" التي تعيشها الجزيرة؛ فالأرقام الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية تتوقع انكماشاً مرعباً للناتج المحلي الإجمالي الكوبي بنسبة 6.5% لعام 2026، يتزامن مع انهيار شبه كامل لشبكة الطاقة، ونقص حاد في الأدوية والسلع الأساسية أخرج المواطنين في احتجاجات صامتة ولكنها عميقة.

كما جاءت هذه التنازلات الدبلوماسية بعد يومين فقط من إعلان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن حزمة عقوبات مشددة استهدفت خمسة كيانات حيوية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الكوبية العملاقة، من بينها "البنك المالي الدولي" وشركة "جيومينرا". 

ولم تلق حُزمة الإصلاحات الاقتصادية التي أقرتها الحكومة الكوبية مؤخرا آذانا مصغية في واشنطن التي وصفتها بـ"إشارات دخان سطحية" لا تعكس رغبة حقيقية في التغيير، معتبرة أنّ كوبا باتت "دولة فاشلة" حقيقية.  


3 أسباب وراء هذه الخطوة 

وفي تفكيكها للأبعاد الجيوسياسية لهذه الدعوة الكوبية، يرجع المراقبون للشأن اللاتيني هذه الخطوة إلى 3 أسباب كبرى، الأول يتمثل في حاجة النظام الملحة للسيولة "الدولارية" لضمان بقائه.

أما السبب الثاني فيكمن في استغلال معطى "اللوبي" الكوبي في فلوريدا، من خلال إغرائه ومغازلته بورقة الاستثمارات الناجحة والمرحبة في ظل وجود سوق استهلاكية تقدر بـ14 مليون مستهلك، وتجييره لصالحه قصد تخفيف الضغط المسلط على هافانا. 

أما الثالث فيتجسد في الشرخ الحاصل في المطبخ السياسي الكوبي وفي دوائر اتخاذ القرار في هافانا، حيث يعكس التفاوت الجلي في الخطاب السياسي حيال واشنطن بين الرئيس ميغيل دياز كانيل وبين قائد الديبلوماسية الكوبية في الولايات المتحدة، اختلافا كبيرا بين أجنحة السلطة في التعاطي مع واشنطن. وهذا التناقض يجسد صراعا مكتوما بين جناح تكنوقراطي يبحث عن طوق نجاة، وجناح عقائدي مؤدلج يخشى فقدان السيطرة عن الأوضاع في البلاد.    

في المحصلة تقف كوبا عند مفترق طرق تاريخي وخطير؛ فالنظام الذي اقتات عقوداً على أدبيات "الصمود في وجه واشنطن"، يجد نفسه مضطراً لعرض ثرواته السيادية للبيع أمام الشريك الأمريكي.

ويبقى التحدي الراهن: هل ستلتقط واشنطن هذه الإشارات كمدخل لتفكيك النظام من الداخل عبر "القوة الناعمة للاستثمار"، أم ستستمر في استراتيجية الخنق الاقتصادي حتى بلوغ السقوط الكامل؟.

الأكثر قراءة

بـري للـ«الديار»: أنا مستعد للتسـوية... إذا كـان الطـرف الآخـر مـستعداً