اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عبر التاريخ، لم تكن الأزمات والحروب يوماً مجرد صفحات دامية في كتاب البشرية، بل محطات مفصلية تُغيّر الوعي الإنساني، وتبتر الأفكار البالية لتعيد هندسة العقل الجماعي وصياغة الأنظمة والمجتمعات؛ فكل حافة هاوية وقفت عليها البشرية نسفت اليقينيات القديمة، وولّدت وعياً ومنطقاً جديداً للحياة والمستقبل.

وإذا تتبعنا هذا التحول عبر المحطات الفارقة في مسيرتنا، نجد أن الصدمات العسكرية كانت المحرك الخفي لولادة هذا الوعي البشري؛ فالحروب الصليبية، ورغم ما حملته من مآسٍ ودمار، أدت إلى تفاعلات حضارية وتبادلات معرفية وثقافية عميقة بين الشرق والغرب. وفي العصر الحديث، جاءت الحرب العالمية الأولى لتكون الزلزال السياسي الذي هدم عروش الإمبراطوريات القديمة وصنع مفهوم "الدولة القومية" كإدراك جديد للشعوب تجاه ذاتها، بينما خرجت البشرية من رماد الحرب العالمية الثانية بوعي سياسي وحقوقي مغاير تماماً، تجسّد في صياغة قوانين حقوق الإنسان وتأسيس منظومة المؤسسات الدولية والعولمة.

ولم تقتصر هذه الأزمات على السلاح وحده، بل تعدته إلى الكوارث الطبيعية والأوبئة؛ فكارثة بركان آيسلندا (عام 536م)، حين حجب غبارها الشمس لسنة ونصف وعاش العالم في ظلام مطلق، هزت اليقين الإنساني وخلخلت الأنظمة الاقتصادية والدينية القديمة. وتكاملت هذه الصدمات البيولوجية لاحقاً مع "الموت الأسود" عام 1347م، الذي ورغم حصده مئة مليون إنسان شكّل نقطة التحول الحاسمة التي أنهت نظام الإقطاع في أوروبا، إذ أجبرت ندرة العمالة الناجية المجتمعات على ابتكار أنماط عيش جديدة مهدت لعصر النهضة والمنظومة الاقتصادية الحديثة. وتلك هي خلاصة حركة التاريخ؛ فكلما تعاظمت الصدمات، خرج الوعي الجماعي من رماد الكارثة أكثر صلابة وتنظيماً، لتثبت البشرية أن الأزمات وإن خلّفت دماراً مرعباً، فإنها تُعيد صياغة المفاهيم والأنظمة وتصقل المجتمعات لتخرج أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

وإذا كانت الكوارث التاريخية المتباعدة قد صهرت الوعي البشري على مدى قرون ممتدة، فكيف يكون شكله اليوم وهو يولد في أتون أزمات معاصرة متسارعة لا تفصل بينها هوادة؟

إن الإنسان المعاصر يواجه تدفقاً مستمراً من الهزّات والتحولات المركبة، التي ألغت مسافات الأمان الزمنية وقصّرت العمر الافتراضي للمنظومات الدولية نتيجة ظاهرة "تقارب الزمان" وسرعة الاتصالات. ولم يقف هذا التسارع عند حدود الطفرة الرقمية، بل طال أيضاً وتيرة الحروب، واتساع بؤر التوتر، وتلاحق الكوارث البيئية والأزمات الاقتصادية التي باتت تطوق العالم وتتداخل بشكل غير مسبوق.

ويتجلى هذا الإيقاع المتسارع بشكل صارخ عند مقارنة أعمار القوى العظمى عبر العصور؛ فبينما تميزت الحضارات القديمة (كالإمبراطورية الفارسية والبيزنطية والسيادة الإسلامية) بزمنها البطيء وحركة اتصالاتها المحدودة التي منحتها عمراً وافراً امتد لقرون طويلة، بدأت هذه الدورات تضيق مع الاستعمار الأوروبي الحديث، حيث تهاوت إمبراطوريات بريطانيا وفرنسا فجأة تحت وطأة الحرب العالمية الثانية. وتصل هذه المفارقة إلى ذروتها مع المنظومة الأميركية الحديثة؛ فبرغم امتلاكها قوة عسكرية وتكنولوجية تفوق سابقاتها مجتمعة، إلا أن عمر هيمنتها الأحادية بات مرشحاً لأن يكون الأقصر في التاريخ نتيجة هذه الأزمات المركبة والمتلاحقة.

هذا التسارع العنيف في وتيرة الأزمات والكوارث البيئية المتلاحقة، أنتج ما يمكن تسميته بـ "الأجيال المنضغطة"وعلى رأسها "جيل زد"

(Gen Z)وهي مجموعات شبابية وجدت نفسها قسراً في مواجهة مباشرة مع تحولات استراتيجية، واقتصادية، ومناخية عميقة خلال فترات وجيزة من عمرها الغض. إن هذا الانضغاط الزمني لم يُشكّل وعياً تقليدياً، بل صهر هذه الأجيال لتكتسب مرونة معرفية استثنائية وقدرة فائقة على التكيف اللحظي، محولاً حالة الطوارئ الكونية الدائمة من بيئة استنزاف إلى منصة لولادة وعي مرن وفكر متيقظ؛ وعيٍ يؤكد أن مواجهة عالم الأزمات المركبة والمتسارعة أصبحت تحدياً وجودياً يفرض إطاحة المسلمات البالية وإعادة صياغة المفاهيم خارج الأطر التقليدية.

ولأن هذا الجيل المعاصر والأكثر مرونة وتكيفاً يحتاج اليوم إلى بيئة حاضنة تحول طاقته الانفجارية إلى مشاريع نهوض، تبرز المسؤولية التاريخية والأخلاقية للنخب الفكرية والاقتصادية في العالم العربي. إن هذه النخب مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من الهامش إلى المركز، والتخلي التام عن الركون إلى الأنماط السابقة. إن طوق النجاة للمنطقة يكمن في صياغة استراتيجية تكاملية شجاعة تجمع بين رأس المال، والموارد الخام، والعقول البشرية الفائقة، لبناء بنية تقنية وصناعية مستقلة قادرة على تحصين أمننا الغذائي، والصحي، والمعرفي، ليتجاوز الإنسان العربي والمشرقي منطق الحروب، ويكون شريكاً حقيقياً في قيادة وصناعة عالم ما بعد الأزمات.

في المحصّلة، التاريخ يكرّر نفسه بصور مختلفة؛ فالأنظمة والمجتمعات التي تبدو صلبة قد تنهار أمام الأزمات ويموت البشر، لكن "الوعي الإنساني" هو الشيء الوحيد الذي يخرج دائماً من الرماد أكثر قوة، مرونة، وقدرة على إرساء قواعد جديدة للحياة...

* أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة 

الأكثر قراءة

"الحزب" يحذر من طلب قوات أجنبية لنزع سلاحه المناطق التجريبية امام اختبار جدي... و«اسرائيل» تقصف النبطية الفوقا