لم يؤد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، استئناف العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران إلى حالة الارتباك التي اعتادت العواصم الأوروبية إظهارها في أزمات مماثلة، بل على العكس، عزز قناعة متنامية لدى عدد من الدول الأوروبية بضرورة تسريع بناء قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة بوليتيكو.
ويعكس هذا التحول اتجاهاً أوروبياً يتبلور منذ سنوات، لكنه اكتسب زخماً أكبر مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من أن تصبح السياسات الأمنية الأميركية أكثر ارتباطاً بقرارات البيت الأبيض الآنية، بعيداً عن نهج التنسيق التقليدي مع الحلفاء
تصاعد الدعوات لبناء قوة أوروبية مستقلة
وبحسب بوليتيكو، قال مسؤول أوروبي إن التطورات في إيران وأوكرانيا أكدت أن الأولوية بالنسبة لأوروبا يجب أن تكون بناء قوة عسكرية مستقلة، مضيفاً أن امتلاك قدرات دفاعية أكبر سيمنح القارة احتراماً أكبر من مختلف القوى الدولية، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو إيران أو الصين.
وأضاف المسؤول أن امتلاك القوة العسكرية يقلل الحاجة إلى إظهار ردود فعل سياسية غاضبة، في إشارة إلى أن الردع بات يمثل أولوية أوروبية متزايدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي آخر أن استئناف العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران كشف بصورة أوضح حجم التباعد بين ضفتي الأطلسي، رغم استمرار اعتماد أوروبا على المظلة النووية الأميركية.
وأوضح أن أوروبا لا تزال تعتمد على الردع النووي الأميركي ولا تمتلك بديلاً سريعاً، إلا أن التطورات الأخيرة تدفعها بصورة متزايدة إلى تعزيز استقلالها الدفاعي.
إعلان ترامب يعيد إشعال المواجهة
جاءت هذه المواقف بعدما أعلن ترامب، خلال مؤتمر صحفي على هامش قمة الناتو في أنقرة، أن اتفاق التهدئة مع طهران لم يعد قائماً، مؤكداً عزمه السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، التي تعد أحد أهم مراكز تصدير النفط في البلاد.
وفي وقت لاحق، أعلنت القيادة المركزية الأميركية بدء تنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية، مبررة ذلك بالرد على ما وصفته بـ"الاعتداءات غير المبررة" التي استهدفت حركة الملاحة التجارية.
وبحسب بوليتيكو، حاول المسؤولون الأوروبيون تقييم التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار التصعيد، إلى جانب دراسة مدى جدية التصريحات الأميركية، إلا أن كثيرين اعتبروا أن التطورات الأخيرة تعكس اتساع الفجوة السياسية والاستراتيجية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
مواقف أكثر تشدداً داخل الناتو
ورغم التباين بشأن إيران، شهدت قمة الناتو اعتماد بيان ختامي أكثر تشدداً تجاه روسيا، مع تأكيد دعم أقوى لأوكرانيا، إضافة إلى توقيع عدد من صفقات الدفاع بمليارات الدولارات بين الدول الأعضاء.
وأشارت بوليتيكو إلى أن كندا أعلنت خلال القمة نيتها شراء غواصات من ألمانيا، في خطوة وصفت بأنها تحول لافت بعد عقود من الاعتماد على المعدات العسكرية الأميركية.
وفي السياق ذاته، انتقد الرئيس التشيكي بيتر بافيل غياب التشاور المسبق مع الحلفاء الأوروبيين بشأن العمليات العسكرية ضد إيران، متسائلاً كيف يمكن مطالبة الدول الأوروبية بالمساهمة في عمليات لم تُستشر بشأنها منذ البداية.
هرمز يعيد رسم أولويات التجارة
وأعادت الأزمة أيضاً ملف أمن سلاسل الإمداد إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
وقالت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد، بحسب بوليتيكو، إن الأزمة أظهرت مدى اعتماد أوروبا على عدد محدود من سلاسل التوريد، مؤكدة أن القارة باتت أكثر إدراكاً لأهمية تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز مرونتها الاقتصادية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية مراقبة التطورات في المضيق، الذي تمر عبره نحو 20 % من تجارة النفط العالمية، وسط مخاوف من انعكاسات أي تصعيد إضافي على أسعار الطاقة والتجارة الدولية.
تقلب في الموقف الأميركي
وأشارت بوليتيكو إلى أن تصريحات ترامب أثارت حالة من الارتباك بين الحلفاء، بعدما كان قد وصف القيادة الإيرانية قبل يوم واحد بأنها تتصرف بصورة أكثر عقلانية، قبل أن يهاجمها في اليوم التالي مستخدماً أوصافاً حادة.
كما لمح الرئيس الأميركي إلى إمكانية إنهاء الحرب دون التوصل إلى اتفاق سلام، معتبراً أن ذلك قد يكون "أسهل"، وكرر انتقاداته للاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015، معتبراً أن محاولات شراء السلام مع طهران لم تحقق نتائج.
ورغم تصعيده تجاه إيران، بدا ترامب أقل حدة في تعامله مع الحلفاء الأوروبيين مقارنة بمواقف سابقة، باستثناء انتقاداته لإسبانيا بسبب مستويات الإنفاق الدفاعي، وتهديده باتخاذ إجراءات تجارية ضدها.
تراجع الثقة الأوروبية بواشنطن
ورغم إشادة ترامب في ختام القمة بالعلاقات مع الدول الأوروبية، ونقله انطباعات إيجابية عن لقاءاته مع القادة الأوروبيين، فإن ذلك لم ينعكس على تقييم عدد من المسؤولين الأوروبيين.
ونقلت بوليتيكو عن مسؤول ألماني قوله إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الأوروبيين لم يعودوا يتعاملون مع ترامب بالجدية نفسها التي كانت سائدة في السابق، في مؤشر يعكس استمرار التباعد السياسي بين الجانبين، حتى مع بقاء التحالف العسكري قائماً.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:03
شهيد ومصابون باستهداف مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين قرب أرض الحلو بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة
-
17:56
مجلس الوزراء يعيّن محمد عبد الرزاق شاتيلا رئيسًا لمؤسسة مطار بيروت الدولي والدكتور مازن الخطيب مديرًا عامًا للتعليم العالي وزياد سمكية رئيسًا لهيئة تنظيم الكهرباء
-
17:54
وزارة الخارجية الإيرانية: الوزير عباس عراقجي يندد بالهجمات الأميركية على الجمهورية الإسلامية ويحذر من أي مغامرة عسكرية أميركية
-
17:53
الوكالة الوطنيّة: مسيّرة إسرائيليّة تحلّق بشكل دائري في أجواء مدينة بعلبك على مستوى منخفض
-
17:47
الخارجية الإيرانية: عراقجي بحث هاتفيا مع قائد الجيش الباكستاني التطورات الأخيرة في المنطقة
-
17:45
كتلة الوفاء للمقاومة: الملحق الأمني للاتفاق المشؤوم يكشف بشكلٍ مخزي عن بنود جديدة خطيرة جعلت أكثر المتحفظين من قوى وشخصيات يخرجون عن صمتهم لينددوا من مغبة الاستمرار في الاملاءات الصهيونية
