تستعد ألمانيا لرفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة، مع خطة لزيادة ميزانية الدفاع إلى 152 مليار يورو بحلول عام 2029، بما يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ2.3% عام 2025، في خطوة تستجيب لدعوات متكررة من حلفائها في كلٍّ من الناتو والاتحاد الأوروبي لتعزيز مسؤولياتها الأمنية على الساحة الدولية، بحسب "لوموند".
ورغم الترحيب الرسمي في معظم العواصم الأوروبية بزيادة الإنفاق العسكري الألماني، إلّا أن هذه الخطوة أثارت تحفظات ومخاوف في دول بما فيها فرنسا وإيطاليا وبولندا، مع بدء قمة حلف الناتو في أنقرة يوم 7 تموز.
وقال كاميل غراند، نائب الأمين العام السابق لحلف الناتو، إن "برلين تعرضت على مدى 20 عامًا لضغوط من حلفائها لزيادة استثماراتها الدفاعية"، مشيرًا إلى تصريحات سابقة لوزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي عام 2011 قال فيها: "أخشى من تقاعس ألمانيا أكثر من خشيتي من قوتها".
تسارع إعادة التسلح بعد حرب أوكرانيا
بدأت ألمانيا مشروعًا واسعًا لإعادة تسليح قواتها المسلحة بعد بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022؛ إذ أطلق المستشار الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس صندوقًا خاصًا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني "بوندسفير"، الذي وصف بأنه يعاني من التقادم ونقص التجهيزات، بهدف تحويله إلى "أول جيش تقليدي في أوروبا".
لكن فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2024 دفع ألمانيا إلى تسريع خططها الدفاعية، في ظل اعتمادها الفعلي على الولايات المتحدة في مجال الدفاع منذ خمسينيات القرن الماضي. وفي آذار 2025، عدلت برلين دستورها للسماح بتمويل الإنفاق الدفاعي عبر الاقتراض.
ترحيب في الشمال الأوروبي وفرص صناعية
في بعض الدول الأوروبية، يُنظر إلى إعادة التسلح الألمانية باعتبارها تطورًا إيجابيًا. وقال الخبير الألماني في شؤون الدفاع كريستيان مولينغ، الباحث لدى المركز الأوروبي للسياسات، إن "السويد وفنلندا وهولندا ترحب بزيادة الإنفاق الألماني وبإمكانية التعاون مع برلين في تطوير المعدات العسكرية".
لكن في روما وباريس ووارسو، تثير هذه التحولات تساؤلات مختلفة. وقالت ناتالي توتشي من الحرم الأوروبي لجامعة جونز هوبكنز في بولونيا إن الموضوع حاضر في إيطاليا، رغم أن مستوى القلق أقل من فرنسا، مشيرة إلى أن النقاش يتركز أكثر على احتمال وصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف إلى السلطة في برلين وتأثير ذلك.
وأشار فيديريكو سانتينتو من معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية إلى أن إيطاليا تتعامل مع الأمر بواقعية، موضحًا أنها عززت تعاونها الصناعي مع ألمانيا من خلال مشروع دبابات جديدة بين شركتي "ليوناردو" و"راينميتال"، وتسعى للاستفادة من الفرص التي يفتحها صعود القوة العسكرية الألمانية.
بولندا بين الدعم والمخاوف التاريخية
أمَّا في بولندا، فينظر إلى إعادة تسليح ألمانيا باعتبارها مصدر ارتياح وقلق في الوقت نفسه، خاصة مع خطة وارسو تخصيص 4.8% من ناتجها المحلي للدفاع.
وقال مارك سفيرتشينسكي، المتخصص في قضايا الدفاع بمركز "بوليتيكا إنسايت" للأبحاث، إن وصول ألمانيا إلى المسار الذي حددته بولندا يُنظر إليه في وارسو باعتباره "انتصارًا معنويًا"، مضيفًا أن الخطط الألمانية، إذا تحققت، ستعزز الجناح الشرقي لحلف الناتو وأمن المنطقة، خصوصًا مع الوجود الألماني في ليتوانيا.
لكن الطموحات العسكرية الجديدة لبرلين، إلى جانب تقدم حزب "البديل من أجل ألمانيا"، أعادت مخاوف قديمة إلى الواجهة. وقال سفيرتشينسكي إن الجمع بين صعود يمين متطرف ألماني يرغب في التقارب مع روسيا وتزايد القوة العسكرية لألمانيا يُنظر إليه في وارسو باعتباره تهديدًا محتملًا للنظام الأوروبي على المدى المتوسط والطويل.
فرنسا تخشى فقدان موقعها العسكري الأوروبي
تبدو المخاوف أكثر وضوحًا في فرنسا، حيث يسود شعور بالتراجع أمام حجم الإنفاق الألماني المتزايد.
وقال بول موريس، المتخصص في العلاقات الفرنسية الألمانية لدى المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إن الوضع التاريخي بعد نهاية الحرب الباردة كان يقوم على تقاسم غير معلن للأدوار؛ إذ تمتلك ألمانيا القوة الاقتصادية، بينما تمتلك فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية، إلا أن هذا التوازن تغير منذ الحرب في أوكرانيا مع استمرار ألمانيا في زيادة إنفاقها الدفاعي.
وفي باريس، يبرز شعور بـ"التراجع" و"فقدان المكانة" أمام الموارد التي تخصصها ألمانيا للدفاع. وحذر رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون أمام مجلس الشيوخ في 13 أيار من احتمال اتساع الفجوة، قائلاً إنه إذا واصلت ألمانيا هذا المسار، فإن التفوق الفرنسي القائم على الخبرة العملياتية والثقافة العسكرية قد لا يستمر، مشيرًا إلى أن ألمانيا تخطط لإنفاق ثلاثة أضعاف ما تنفقه فرنسا سنويًا.
وزاد فشل مشروع الطائرة القتالية الفرنسية الألمانية المستقبلية "SCAF"، الذي أُعلن رسميًا عن توقفه في 8 يونيو، من هذا الشعور في فرنسا بأن ألمانيا تتحرك بشكل منفرد، خصوصًا بعد تقديم شركة إيرباص مشروعًا منافسًا ألماني الطابع بعد يوم واحد من الإعلان.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:45
رئيس الأركان الإسرائيلي: نراقب عن كثب ما يحدث في إيران ولبنان ونحن على أهبة الاستعداد للتحرك الفوري
-
18:45
رئيس الأركان الإسرائيلي: سنرد بقوة على كل من يحاول إلحاق الضرر بنا
-
18:34
بلومبرغ عن بيانات ملاحية: إيران سارعت لإخراج ناقلات تحمل 11 مليون برميل من النفط الخام خلال الـ24 ساعة الماضية
-
18:33
مجلس التعاون الخليجي: ندعو مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف حازم لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز
-
18:33
مجلس التعاون الخليجي: نحمل إيران مسؤولية الاعتداءات ونطالبها بالوقف الفوري وغير المشروط لجميع الأعمال العدائية
-
18:32
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: نرفض مشاريع عزل شعبنا في مناطق مغلقة في محاولة لفرض واقع الفصل والتهجير القسري في غزة
