تستعد اليابان لإطلاق أول جهاز استخبارات مركزي في تاريخها الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في خطوة تعكس تحولاً كبيراً في عقيدتها الأمنية، وسط تصاعد التحديات الإقليمية وازدياد المخاوف من أنشطة التجسس والتدخلات الأجنبية.
وأقر البرلمان الياباني التشريع الخاص بإنشاء الوكالة الجديدة خلال مايو الماضي، لتبدأ طوكيو مرحلة إعادة هيكلة منظومتها الاستخباراتية، في وقت تتلقى فيه دعماً واستشارات من حلفاء غربيين، بينهم الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا.
ينص القانون الجديد على إنشاء هيئتين رئيسيتين هما مجلس الاستخبارات الوطني، الذي سيتولى تنسيق وجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية على مستوى الحكومة، إلى جانب وكالة العمليات الاستخباراتية المسؤولة عن تنفيذ المهام الميدانية.
وبموجب الإصلاح، سيُعاد تنظيم مكتب الاستخبارات والبحوث التابع لمجلس الوزراء ليصبح جهازاً مركزياً يتمتع بصلاحيات أوسع في تنسيق المعلومات بين المؤسسات الأمنية المختلفة.
ورغم المقارنات التي أثيرت مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، يؤكد خبراء أن النموذج الياباني سيحافظ على خصوصيته، مع التركيز على التنسيق الداخلي بدلاً من إنشاء جهاز يعمل وفق النموذج الأميركي التقليدي.
لماذا تتحرك اليابان الآن؟
تقول الحكومة اليابانية إن البيئة الأمنية المحيطة بالبلاد أصبحت أكثر تعقيداً، في ظل تنامي التهديدات القادمة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، إلى جانب تصاعد الهجمات السيبرانية ومحاولات التجسس والتدخل الأجنبي.
كما يأتي المشروع في وقت تشهد فيه العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة تغيرات ملحوظة، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب حلفاء واشنطن إلى تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم، وانتقد اعتمادهم المستمر على القدرات العسكرية والاستخباراتية الأميركية.
ويرى محللون أن هذه الرسائل دفعت طوكيو إلى تسريع بناء قدراتها الذاتية في مجال الاستخبارات، وتقليل اعتمادها على المعلومات التي توفرها الأجهزة الأمريكية.
معالجة نقاط الضعف
يعاني النظام الاستخباراتي الياباني الحالي من تشتت الصلاحيات بين عدة مؤسسات، وهو ما يحد من سرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار.
ويشير خبراء إلى أن غياب جهة مركزية قادرة على تنسيق المعلومات بين مختلف الأجهزة الأمنية أدى إلى ضعف كفاءة المنظومة الاستخباراتية، فضلاً عن محدودية الصلاحيات القانونية في مواجهة أنشطة التجسس الأجنبية.
كما لا تمتلك اليابان حتى الآن قانوناً شاملاً لمكافحة التجسس، الأمر الذي يعتبره مختصون ثغرة قانونية تجعل البلاد أكثر عرضة لأنشطة الاستخبارات الأجنبية.
ويرى باحثون أن اليابان تحتاج أيضاً إلى تشريعات تنظم أنشطة جماعات الضغط الأجنبية وتعزز الشفافية في التعامل مع محاولات التأثير الخارجي.
يؤكد خبراء الأمن أن اليابان تظل هدفاً رئيسياً لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، نظراً لموقعها الجغرافي، وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، وتفوقها في مجالات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
وخلال الحرب الباردة، ركزت الاستخبارات السوفيتية على جمع المعلومات الصناعية والتكنولوجية اليابانية، فيما يرى خبراء أن الصين وروسيا وكوريا الشمالية تواصل اليوم استهداف اليابان عبر وسائل تجسس تقليدية ورقمية.
يمثل إنشاء وكالة الاستخبارات الجديدة جزءاً من خطة أوسع تتبناها حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي لتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد.
ففي ديسمبر الماضي، أقرت الحكومة أكبر ميزانية دفاعية في تاريخ اليابان بقيمة 58 مليار دولار، تضمنت استثمارات في أنظمة الدفاع ضد الطائرات المسيرة وأسلحة الليزر لحماية الجزر الجنوبية الغربية.
كما اتخذت الحكومة خطوات لتخفيف القيود المفروضة على تصدير الأسلحة، في تحول يعكس رغبة طوكيو في لعب دور أمني أكبر على الساحة الدولية.
إرث الحرب العالمية الثانية
ورغم الدعم السياسي للإصلاحات، لا تزال مسألة توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية تثير حساسية داخل اليابان، بسبب الإرث التاريخي المرتبط بأجهزة الشرطة السرية التي مارست الرقابة والاعتقالات خلال فترة الحرب العالمية الثانية.
كما ينص الدستور الياباني، الذي وُضع عام 1947، على نبذ الحرب، وهو ما جعل اليابان تعتمد لعقود على المظلة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية.
ومع ذلك، يرى خبراء أن الإصلاحات الحالية لا تمنح الوكالة الجديدة صلاحيات واسعة لمراقبة المواطنين، بل تركز على تحسين التنسيق بين المؤسسات الأمنية وتعزيز قدرات جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية.
يرى خبراء أن إنشاء أول وكالة استخبارات مركزية منذ أكثر من سبعة عقود يمثل محطة مفصلية في مسار السياسة الأمنية اليابانية، ويعكس إدراك طوكيو لتغير البيئة الاستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ومع استمرار التنافس بين القوى الكبرى في المنطقة، تسعى اليابان إلى بناء منظومة استخباراتية أكثر استقلالية وفاعلية، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، دون التخلي عن شراكاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
19:38
التلفزيون الإيراني: دوي انفجار في مدينة "انديمشك" في محافظة خوزستان جنوب ايران
-
19:34
وصول الوفد اللبناني برئاسة وزير الاقتصاد عامر البساط إلى مقر الإقامة في دمشق وفي استقباله وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار والقائم بأعمال السفارة السورية في لبنان إياد الهزاع
-
19:29
ترامب: أعتقد أنه ستتم إضافة إيران وحزب الله إلى مشروع قانون العقوبات على روسيا
-
19:28
ترامب: إذا تعامل أحد مع حزب الله فسيكون عرضة للعقوبات في قانون نعمل على تمريره
-
19:26
ترامب: الأسعار ستتراجع ونحن نبلي بلاء ممتازاً
-
19:26
ترامب: أعدكم بخبر مفصلي كبير في خطابي يوم الخميس
