اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

اعتبر الملياردير الأميركي إيلون ماسك على منصة "إكس" أن زعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبان تمثل "الأمل الأخير لفرنسا"، قبل أن يضيف في منشور آخر أن "فرنسا سترحّل الملايين".

ولم تمضِ ساعات حتى وجد حزبها "التجمع الوطني" نفسه في موقف دفاعي، بعدما تحوّل الدعم الذي بدا في ظاهره مكسباً سياسياً إلى مادة استغلها الخصوم للتشكيك في استراتيجية "التطبيع" التي عمل الحزب على ترسيخها طوال العقد الماضي.

إلا أن أزمة ماسك ليست حادثة معزولة، بل تمثل حلقة جديدة في سلسلة مواقف لاحقت لوبان مع حلفائها في الخارج. 

ولم يكن تأييد ماسك لمارين لوبان موقفاً استثنائياً، إذ تشير صحيفة "لوميانيتيه" إلى أنه دأب خلال العامين الماضيين على دعم أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بصورة علنية.

ففي آذار 2025، وصف إدانة لوبان قضائياً بأنها "اضطهاد من اليسار الراديكالي"، وقبلها بشهرين شارك عبر الفيديو في تجمع انتخابي لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، واصفاً إياه بأنه "الحزب الوحيد القادر على إنقاذ ألمانيا".

كما أعلن دعمه لحزب "ريستور بريتن" (Restore Britain) في بريطانيا، وأثار انتقادات واسعة بعد الحركة التي قام بها خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي اعتبرها عدد من المراقبين شبيهة بالتحية النازية.

من جهتها، رأت صحيفة "ليزيكو" أن تصريحات ماسك بشأن لوبان لم تكن انفعالية، بل جاءت أثناء إعادة نشر استطلاع رأي يقارن نتائجها في انتخابات 2022 باستطلاعات انتخابات 2027، بما يوحي بأن دعمه استند إلى معطيات انتخابية أكثر من كونه موقفاً شخصياً.


ارتباك داخل "التجمع الوطني"

ووجد حزب "التجمع الوطني" نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو لا يرغب في خسارة دعم شخصية عالمية بحجم إيلون ماسك، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الاقتراب منه قد يضر بصورة الحزب التي سعى إلى إعادة بنائها خلال السنوات الماضية.

ويعكس تصريح نائب رئيس الحزب، سيباستيان شينو، هذا التوازن الحذر، إذ قال، بحسب "لوميانيتيه"، إن "رأي ملياردير أميركي لا يربطنا به شيء ولا يمثل تدخلاً في الشؤون الفرنسية"، قبل أن يضيف في التصريح نفسه: "لكن من الجيد أن يدرك العالم أن مارين لوبان هي بالفعل الأمل الأخير لفرنسا".

ويكشف هذا الخطاب عن محاولة الحزب الاستفادة من الرسائل السياسية التي يحملها دعم ماسك، مع تجنب تحمل كلفته السياسية.


المعارضة تستثمر الفرصة

وسارع خصوم لوبان إلى استثمار تصريحات ماسك سياسياً. وبحسب "ليزيكو"، قال رئيس الوزراء الفرنسي السابق ميشيل بارنييه، إن "الفرنسيين لا يحتاجون إلى الأمريكيين ليعرفوا كيف يصوتون"

بدورها، كتبت النائبة الأوروبية ناتالي لوازو، أن أفضل دليل على طبيعة مشروع لوبان هو أن "أغنى رجل في العالم، الذي يهاجم القوانين الأوروبية ويدعم أكثر الأحزاب تطرفاً في القارة، يقف إلى جانبها".

وفي السياق نفسه، طالب النائب عن حزب "فرنسا الأبية" أنطوان ليومان هيئة تنظيم الإعلام السمعي البصري والرقمي الفرنسية (Arcom) بالتحقيق فيما وصفه بـ"التدخل الأجنبي" في الانتخابات الرئاسية، بينما دعا المفوض الأوروبي السابق تييري بريتون السلطات إلى مراقبة خوارزميات منصة "إكس" للتأكد من عدم منحها أفضلية انتخابية لأي مرشح.


معضلة أقدم من ماسك

وترى النسخة الفرنسية من "هافينغتون بوست" أن المشكلة تتجاوز تغريدات ماسك، إذ عملت مارين لوبان منذ توليها قيادة الحزب على إعادة صياغة صورته، فابتعدت تدريجياً عن خطاب والدها جان ماري لوبان، وخففت لهجتها تجاه الاتحاد الأوروبي، وتخلت عن فكرة الانسحاب من منطقة اليورو، في محاولة لإقناع الناخبين بأن "التجمع الوطني" أصبح حزباً محافظاً قادراً على الحكم، لا امتداداً لليمين المتطرف التقليدي.

غير أن هذه الاستراتيجية اصطدمت مراراً بمواقف حلفاء الحزب في الخارج، الذين أعادوا ربطه بصورة اليمين المتطرف العالمي.

وعقب أحداث اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي عام 2021، سارعت لوبان إلى النأي بنفسها عن دونالد ترامب، إلا أن رئيس الحزب جوردان بارديلا عاد في نهاية عام 2025 ليمتدح "طاقته السياسية"، قبل أن تدفع الحرب على إيران وأزمات دولية أخرى الحزب إلى الابتعاد مجدداً عن الرئيس الأميركي.

وتكرر المشهد مع حزب "البديل من أجل ألمانيا"، إذ قطعت لوبان وبارديلا علاقاتهما معه بعدما أثارت تصريحات بعض قياداته بشأن قوات "إس إس" النازية وخطط "إعادة الهجرة" موجة انتقادات أوروبية واسعة.

كما ظهرت حساسيات مماثلة في العلاقة مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أبرز رموز اليمين القومي الأوروبي، إذ كشف النائب جان-فيليب تانغي، في تصريحات نقلتها "هافينغتون بوست"، عن انزعاجه من بعض مواقف أوربان، معتبراً أنها لم تكن "أفضل لحظات" الحزب. 

وتخلُص "هافينغتون بوست" إلى أن خصوم لوبان وجدوا نقطة ضعف يصعب على الحزب التخلص منها؛ فكلما نجحت زعيمة "التجمع الوطني" في تقديم نفسها كسياسية محافظة تسعى إلى الحكم، أعاد أحد حلفائها في الخارج ربطها بصورة اليمين المتطرف العالمي، لتصبح استراتيجية "التطبيع" التي بنتها على مدى سنوات عرضة للاهتزاز.

ولهذا؛ لم تكن تغريدات إيلون ماسك مجرد دعم انتخابي عابر، بل اختباراً جديداً لقدرة الحزب على الفصل بين طموحه للوصول إلى قصر الإليزيه وشبكة التحالفات الدولية التي شكّلت جزءاً من هويته السياسية.

فمنذ أكثر من عقد، تسعى لوبان إلى إقناع الفرنسيين بأن حزبها أصبح قوة سياسية مختلفة وقادرة على الحكم، لكن مع اقتراب انتخابات 2027، يبدو أن معركة الصورة قد تكون أكثر حسماً من معركة الأصوات نفسها.


الأكثر قراءة

«رسائل» ميدانية للجيش قبل الاجتماع «الثلاثي» اليوم «اسرائيل» تراوغ... «والعين» على لقاء عون - ترامب؟