اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تسعى باكستان إلى استثمار تحسن علاقاتها مع الولايات المتحدة في أعقاب دورها في الوساطة بين واشنطن وطهران، عبر إطلاق حملة ضغط سياسي في العاصمة الأميركية تستهدف تعزيز التعاون الدفاعي وجذب الاستثمارات إلى قطاع المعادن، في محاولة لتحويل التقارب الحالي إلى شراكة مؤسسية طويلة الأمد.

وبحسب وثائق رسمية مودعة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، تعاقدت إسلام آباد مع شركة ضغط أميركية لمدة عامين مقابل 1.2 مليون دولار، بهدف التواصل مع الكونغرس والإدارة الأميركية، وترتيب لقاءات مع مسؤولين في البنتاغون ومجلس الأمن القومي.

يكشف العقد أن أولويات باكستان تتركز على مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في إعادة تنشيط آليات الحوار الدفاعي والأمني التي ازدهرت خلال فترة الحرب في أفغانستان، والثاني جذب استثمارات أميركية إلى قطاع المعادن، الذي تهيمن الصين على جزء كبير منه، بحسب "بيزنس تايمز".

ويرى مسؤولون وخبراء أن هذين الملفين يتوافقان مع أولويات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تركز على أمن سلاسل التوريد، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

وقالت الدبلوماسية الأمريكية السابقة إليزابيث ثريلكيلد إن العقد يعكس رغبة باكستان في توسيع قاعدة الدعم داخل الكونغرس، وعدم الاكتفاء بالعلاقات مع السلطة التنفيذية.


استثمار دور الوساطة

يأتي التحرك الباكستاني بعد أن لعبت إسلام آباد دورًا في المفاوضات الأميركية الإيرانية التي أفضت إلى اتفاق مؤقت في حزيران الماضي، وهو ما منحها فرصة لإعادة تنشيط علاقاتها مع واشنطن.

كما ساهمت العلاقة الشخصية بين قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير والرئيس ترامب في تعزيز التقارب بين البلدين، خاصة بعد التعاون في ملفات إقليمية، من بينها الأزمة مع الهند وجهود الوساطة المتعلقة بإيران.

ونقل مصدر مطلع أن الهدف الرئيسي لإسلام آباد يتمثل في تحويل هذا التقارب من علاقات شخصية إلى تعاون مؤسسي يمكن أن يستمر حتى بعد تغير الإدارات السياسية في البلدين.

وتراجعت العلاقات الأميركية الباكستانية منذ انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان العام 2021، بعد عقدين من التعاون الوثيق في الحرب على الإرهاب.

وتسعى باكستان الآن إلى إعادة تفعيل منتدى الحوار الدفاعي رفيع المستوى بين البلدين، الذي كان يشكل منصة رئيسية للتنسيق العسكري والأمني خلال سنوات الحرب في أفغانستان.

ورغم تراجع التعاون السياسي، تؤكد مصادر أمنية باكستانية أن التنسيق الاستخباراتي بين الجانبين لم يتوقف بالكامل، مشيرة إلى مساهمة التعاون الأمني في اعتقال عنصر من تنظيم "داعش" يُشتبه في ضلوعه في هجوم مطار كابول العام 2021.


ورقة اقتصادية جديدة

يمنح العقد اهتمامًا خاصًا بقطاع التعدين، حيث كلفت باكستان شركة الضغط الأميركية بالمساعدة في تحديد فرص التعاون والاستثمار، وتقديم توصيات حول سياسات جذب المستثمرين الأمريكيين.

ويبرز في هذا السياق مشروع "ريكو ديك" في إقليم بلوشستان، الذي يضم أحد أكبر احتياطيات النحاس والذهب غير المستغلة في العالم، ويعد من المشاريع المهمة لتأمين المعادن اللازمة لصناعات التكنولوجيا ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

وكانت الولايات المتحدة قد تعهدت في ديسمبر الماضي بتقديم تمويل بقيمة 1.25 مليار دولار لدعم تطوير المشروع.

ورغم مؤشرات التحسن، يرى خبراء أن مستقبل العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد لا يزال يواجه تحديات، في ظل التاريخ الطويل من التقلبات بين الجانبين.

كما يشكل الوضع الأمني في بلوشستان عقبة إضافية، إذ تشهد المنطقة تمردًا انفصاليًا متصاعدًا استهدف في السابق مشروعات تعدين واستثمارات أجنبية، بما فيها مشاريع صينية.

ويرى محللون أن نجاح باكستان في جذب استثمارات أمريكية واسعة لن يعتمد فقط على تحسن العلاقات السياسية، بل أيضًا على قدرتها على تعزيز الاستقرار الداخلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وبناء اقتصاد أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الأجنبية.

وفي ظل المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين على المعادن الإستراتيجية، يبدو أن إسلام آباد تسعى إلى توظيف موقعها الجيوسياسي ومواردها الطبيعية لإعادة صياغة علاقتها مع واشنطن على أسس تتجاوز التعاون الأمني التقليدي نحو شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع.


الأكثر قراءة

كواليس لقاء عون – روبيو ... الهدية وصلت؟