اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كأنّ التاريخ في لبنان يُكتب من جديد... وكأنّه يُستحضر اليوم ليوقظ ذاكرة وطنٍ نسي الرسالة التي وُلد من أجلها. رسالةٌ جعلت الإنسان أساس الوطن، وجعلت من الوطن رسالةً إلى العالم. ففي الأزمنة المصيرية، لا تعود الأوطان إلى قوّتها، بل إلى رجالها الكبار؛ إلى أولئك الذين صنعوا الكيان قبل أن يصنعوا مجده.

وإذا كان «مجد لبنان قد أُعطي له»، فإنّ البطريرك الياس بطرس الحويّك (1843-1931)، بطريرك الاستقلال ولبنان الكبير، هو من جسّد هذا المجد كيانًا حيًّا ورسالةً خالدة. وقبل أن يبني لبنان الكبير، بنى الإنسان؛ وقبل أن يحمل قضية وطن إلى العالم، حمل رغيف خبز إلى الجائع، فاتحًا أبواب بكركي والديمان أمام المحتاجين.


حضور رسمي وشعبي

في أجواء مفعمة بالإيمان والرجاء، احتفلت الكنيسة المارونية أمس في الكرسي البطريركي في "الديمان" بترفيع البطريرك الياس الحويّك إلى مصاف الطوباويين، وسط حضور رسمي وروحي وشعبي حاشد تقدّمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعقيلته، في أول إطلالة لهما بعد زيارتهما الرسمية إلى الولايات المتحدة.

وامتلأت الساحة بالمؤمنين الذين توافدوا منذ ساعات الصباح على متن حافلات وصلت من مختلف القرى والبلدات اللبنانية، إلى جانب أبناء الانتشار الذين حضروا للمشاركة في هذا الحدث. وخُصّص لكلّ مؤمن كيس قماشي يحمل صورة البطريرك الحويّك، يتضمّن كتاب الصلوات الخاص بالمناسبة، ومطوية حول حياته ومسيرته الروحية والوطنية، وقبعة تحمل صورته.

بدأ الاحتفال بترانيم دينية «إلهي اجعلني أعيش وأموت برضاك»،، و"بطرك طائفته لبنان"، وتلا الشاعر رودي رحمة قصيدة بالمناسبة، قبل انطلاق مراسم التطويب. وأدّى من كلماته بعنوان "طوبى لحلتا" كلّ من المطربين ليال نعمة ونادر خوري ترنيمة بالمناسبة من ألحان خوري.

المذبح- السفينة بأضلاعها ال 18

وعلى خلفية وادي القديسين، الذي يختزن امتداد التاريخ الماروني وجذوره الروحية، ارتفع المذبح الذي صمّمه إيلي زيدان على شكل سفينة خشبية مشرعة نحو الأفق. أضلاعها الثمانية عشر ترمز إلى العائلات الروحية اللبنانية كافة، في تجسيد لرسالة الحويّك بأن لبنان لا يقوم إلا بجميع مكوّناته.

أما طاولة المذبح فجاءت على هيئة يدين تحملان القربان، في إشارة إلى الرهبانية اللبنانية المارونية التي أسسها الحويّك باسم العائلة المقدسة ودورها الروحي والرسولي. ويتوسط السفينة الصليب، تعلوه أرزة لبنان، فيما توزّعت السنابل إلى جانب الأيقونات، مستعيدة ذاكرة المجاعة وخدمة الشعب. وفي قلب المذبح استقرّت ذخيرة جثمان البطريرك الطوباوي.

سيميرارو ورتبة إعلان التطويب

ومع حلول الساعة الخامسة، انطلق الموكب الحبري المهيب لرجالات الإكليروس ولفيف من المطارنة والكهنة على وقع ترنيمة "مجد لبنان أعطي له"، يتقدّمهم البطريرك الراعي وممثل قداسة البابا لاون الرابع عشر الكاردينال مارتشيلو سيميرارو، لتبدأ رتبة التطويب، وإعلان المرسوم البابوي.

وانطلقت أجواء الاحتفال بالترانيم الروحية التي أحيتها ثلاث جوقات من عبرين وغزير والحدث، فيما صمّم نديم أبو طانيوس الحلل الطقسية للبطريرك الراعي والكاردينال سيميرارو باللون الأبيض المطرّز بالذهبي.

وبدأ القدّاس الاحتفالي الذي ترأسه البطريرك الراعي، برتبة إعلان التطويب على أربع مراحل: أولاً بالتماس إعلان تطويب البطريرك الحويّك من قبل راعي أبرشية البترون المطران منير خيرالله، ثم بتلاوة سيرة البطريرك الحويّك من قبل طالب دعوى إعلان التطويب المطران حنا علوان.

ثمّ جرت تلاوة الكتاب الرسولي من قبل الكاردينال سيميرارو باللغة اللاتينية، وهو المرسوم الرسولي الذي أعلن فيه إذن البابا لاون الرابع عشر بدعوة البطريرك الحويّك الراعي الغيّور باسم "الطوباوي". وتلت نص المرسوم بالعربية الرئيسة العامة لجمعية العائلة المقدسة الراهبة ماري أنطوانيت سعادة بصفتها مقدّمة الدعوى، مشيرة إلى أنّه يحتفل بتذكاره في 5 حزيران من كلّ سنة. وأخيراً جرى إعلان التكريم الليتورجي وتسليم 5 نسخ من المرسوم الرسولي توثيقا للحدث.

الأيقونة والتطواف بالذخائر

وفور إعلان براءة التطويب، أُزيحت الستارة عن الأيقونة الرسمية للطوباوي الياس الحويّك، التي تدلّت على جدار الدير، والتي وضعتها راهبات دير الوحدة الكرمليات الحبيسات في حريصا، تحت شعار «إلهي رضاك». وترافق كشف الأيقونة مع تصفيق المؤمنين وإضاءة الشموع وقرع أجراس الكنائس والأديار في لبنان.

ثم جرى التطواف بذخائر الطوباوي الموضوعة في تمثال نصفي تلاصقه أرزة لبنان في الممرات بين المؤمنين لنيل البركة في جوّ من الصلاة والخشوع. وجرى شكر قداسة البابا على هذا التطويب.

الراعي: "رجل العناية الإلهية"


ثم تتابع الاحتفال بالقداس الإلهي. وألقى الكاردينال الراعي عظة قال فيها: "مجد لبنان أُعطي له". ورحّب برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بعد عودته من زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة، سائلاً الله بشفاعة الطوباوي الجديد البطريرك مار إلياس بطرس الحويّك أن يحقق أمنياته لخير لبنان واستقراره ونموه الاقتصادي والمالي وإعادة إعماره، ولتنفيذ اتفاق الإطار بما يضمن سيادة لبنان على كامل أراضيه واستقلاله التام وتحريره الكامل وسلامه الدائم والعادل والشامل.

وأضاف: "أتيتم جميعًا لتحتفلوا بعمل الله في إنسان سلّم ذاته كلها للعناية الإلهية... فالقداسة ليست تكريمًا تمنحه الأرض بل عطية يمنحها الله لمن عاش الإنجيل بأمانة حتى النهاية". واعتبر أن هذا اليوم "يُكتب بأحرف من ذهب ونور في سجل الكنيسة وتحفظ صداه في ذاكرة لبنان"، مستعيدًا شعار الحويّك: "مجد لبنان أُعطي له".

وتابع الراعي: "نلتقي اليوم لنعلن بفرح أن الكنيسة قد رفعت البطريرك الحويّك إلى مصاف الطوباويين، بعد أن عرفه المؤمنون أبًا وراعيًا وشفيعًا ورجلًا من رجال العناية الإلهية".

ورحّب الراعي بالموفد الشخصي للبابا، الكاردينال سيميرارو، معتبرًا أن حضوره "علامة الشركة العميقة التي تربط الكنيسة المارونية بكنيسة روما"، وموجّهًا التهنئة إلى الكنيسة المارونية والكنيسة الجامعة ولبنان وجمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، لأن الله "شاء أن يشرق من هذه الأرض رجل عاش بشعار واحد: إلهي رضاك".

وفال إن البطريرك الحويّك "جمع في شخصه سهر الراعي وحكمة القائد وقلب الآب وإيمان القدّيس"، فلم يطلب يومًا مجدًا لنفسه بل مجد الله وخير الإنسان، وكان "رجل العناية الإلهية" الذي لم يعرف اليأس، وفتح خلال مجاعة 1916 أبواب الديمان وبكركي والأديار أمام الجائعين والمحتاجين حتى رهن بعض أملاك البطريركية، فاستحق لقب "بطريرك الفقراء والمظلومين".

وأضاف أن الحويّك رأى لبنان رسالة قبل أن يكون كيانًا، وحمل قضية لبنان إلى مؤتمر السلام في باريس، ودافع عن حق شعبه في الحرية والكرامة، حتى استحق أن يُلقب "بطريرك لبنان الكبير"، وأسهم في ولادة الدولة اللبنانية، كما وافق عام 1926 على الدستور ووضع فلسفته القائمة على "التآلف في الاختلاف" وحماية خصوصيات المكوّنات اللبنانية.

وأشار إلى أن الحويّك نهض بالكنيسة روحيًا وتربويًا واجتماعيًا، فأسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، ووكالة بطريركية في باريس، والمدرسة المارونية في روما، والنيابتين البطريركيتين في مصر والقدس، وفي عهده تم تطويب الإخوة المسابكيين وفتحت دعاوى تقديس شربل ورفقا ونعمة الله الحرديني، كما شيد مزار سيدة لبنان في حريصا.

وختم الراعي: "اليوم إذ ترفعه الكنيسة إلى مصاف الطوباويين، فإنها تعلن أمام العالم أن حياة عاشت لله وخدمت الإنسان وأحبت الوطن هي حياة تستحق أن تكون مثالًا للأجيال ونورًا يضيء الطريق لكل من يريد أن يجعل من الإيمان قوة لبناء الإنسان والوطن... فعظيم الله في قديسيه. آمين'.

وختاماً قدّمت رئيسة جمعية العائلة المقدّس مجسّماً مصغّرًا لذخائر الطوباوي الجديد إلى رئيس الجمهورية. ثم أعطيت البركة الختامية.



مسيرة إلى عبرين وقدّاس شكر

وتتواصل الاحتفالات بتطويب البطريرك الحويّك مع مسيرة الذخائر التي تنطلق اليوم صباحا من الديمان إلى عبرين مرورا بقرى قدّيسي لبنان شربل، رفقا ونعمة الله الحرديني.

وتُختتم الاحتفالات بقداس شكر في الأول من آب المقبل في دير العائلة المقدسة في عبرين، رفعًا للشكر على نعمة تطويب مؤسسها.. 


الأكثر قراءة

واشنطن وطهران إلى حافة المواجهة الكبرى الجيش يواكب عودة أهالي زوطر ويؤمّن مقومات الاستقرار