أحدثت الطائرات المسيّرة بعيدة المدى تحولًا لافتًا في مسار الحرب بين أوكرانيا وروسيا، بعدما نجحت كييف في نقل المعركة إلى عمق الأراضي الروسية عبر هجمات تستهدف منشآت الطاقة والبنية اللوجستية والقواعد العسكرية، في استراتيجية تهدف إلى إبطاء المجهود الحربي الروسي ورفع كلفة استمرار الحرب، مع تعزيز موقف أوكرانيا في أي مفاوضات مستقبلية.
وتعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على صناعة محلية متطورة للطائرات المسيّرة، إذ تعمل شركات دفاعية على إنتاج مئات الطائرات يوميًا باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد وألياف الكربون والمواد المركبة، ما وفر لكييف قدرة هجومية بعيدة المدى بتكلفة أقل من الصواريخ التقليدية، وأتاح لها تنفيذ ضربات متكررة داخل روسيا.
ضربات في عمق روسيا
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا في الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى، كان أبرزها استهداف مصفاة أومسك النفطية، التي تبعد أكثر من 2500 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية، في واحدة من أبعد الضربات التي تنفذها كييف منذ اندلاع الحرب.
وتركز هذه الهجمات على مصافي النفط ومستودعات الوقود ومراكز الإمداد العسكرية، إضافة إلى البنية التحتية للنقل والطاقة، بهدف تعطيل سلاسل الإمداد الروسية وتقليص قدرة موسكو على دعم قواتها في الجبهات القتالية.
ويرى محللون أن هذه العمليات أسهمت في إبطاء التقدم الروسي على الأرض، وأحدثت اضطرابات في إمدادات الوقود، كما دفعت موسكو إلى تخصيص موارد إضافية لحماية عمقها الاستراتيجي.
صناعة محلية منخفضة التكلفة
تُعد شركة "فاير بوينت" واحدة من أبرز الشركات الأوكرانية العاملة في هذا المجال، إذ تنتج طائرات FP-1 المسيّرة القادرة على حمل رؤوس حربية يصل وزنها إلى 120 كيلوجرامًا، وبمدى يصل إلى نحو 2800 كيلومتر، مع قدرة عالية على إصابة الأهداف بدقة.
ويقول مسؤولو الشركة إن طائراتها تشارك في نحو 60% من الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل روسيا، بينما ارتفع الإنتاج اليومي إلى نحو 300 طائرة، مع إمكانية زيادته إلى ألف طائرة يوميًا إذا توافرت الموارد اللازمة.
وتعتمد أوكرانيا على إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات في الهجوم الواحد لإرباك أنظمة الدفاع الجوي الروسية، وهو أسلوب يحقق تأثيرًا أكبر مقارنة باستخدام أعداد محدودة من الأسلحة مرتفعة الكلفة.
تغيير في طبيعة الحرب
يرى قادة عسكريون أوكرانيون أن الضربات بعيدة المدى لم تعد مجرد عمليات تكتيكية، بل أصبحت أداة استراتيجية لتغيير مسار الحرب، عبر نقل آثارها إلى الداخل الروسي واستهداف مصادر تمويل العمليات العسكرية.
ويؤكد مسؤولون أوكرانيون أن الهدف لا يقتصر على تدمير المنشآت العسكرية، وإنما يشمل تعطيل الاقتصاد الداعم للمجهود الحربي وإظهار أن العمق الروسي لم يعد بمنأى عن الهجمات، بما يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على موسكو.
كما كثفت كييف هجماتها على السفن المرتبطة بروسيا في البحر الأسود وبحر آزوف، إضافة إلى استهداف البنية التحتية في شبه جزيرة القرم، في محاولة لعزلها وإضعاف خطوط الإمداد إليها.
استغلال اتساع روسيا
ويشير خبراء عسكريون إلى أن اتساع الأراضي الروسية، الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره ميزة دفاعية، تحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف، مع صعوبة توفير مظلة دفاع جوي متكاملة لحماية آلاف الكيلومترات من المنشآت الحيوية.
وبحسب باحثين أوكرانيين، احتاجت كييف إلى أكثر من عامين لتطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة بعيدة المدى وزيادة الإنتاج، بالتوازي مع استنزاف الدفاعات الجوية الروسية، وهو ما سمح بتنفيذ ضربات شبه يومية داخل العمق الروسي.
ويرى محللون أن هذه القدرات تجاوزت في تأثيرها بعض أنظمة الصواريخ الغربية التي حصلت عليها أوكرانيا سابقًا، خاصة أنها لا تخضع للقيود التشغيلية نفسها، ويمكن إنتاجها محليًا بأعداد كبيرة وتكلفة أقل.
سباق استنزاف متبادل
ورغم النجاحات التي حققتها كييف، يؤكد خبراء أن أوكرانيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص منظومات الدفاع الجوي القادرة على التصدي للهجمات الروسية المستمرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي الوقت نفسه، تواصل شركات الدفاع الأوكرانية تطوير أسلحة جديدة، من بينها صواريخ دفاع جوي وصواريخ كروز محلية الصنع، في إطار مساعيها لتقليل الاعتماد على الإمدادات الغربية وتعزيز قدراتها الذاتية.
ويصف محللون المرحلة الحالية بأنها "سباق استنزاف متبادل"، يسعى فيه كل طرف إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بالبنية العسكرية والاقتصادية للطرف الآخر، بهدف تحسين موقعه التفاوضي في أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويرجح المحللون أن تستمر هذه الاستراتيجية في ظل غياب حسم عسكري سريع، مع تحول الطائرات المسيّرة بعيدة المدى إلى أحد أبرز أدوات الحرب الحديثة في الصراع الروسي الأوكراني.
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:59
"رويترز" عن شركة أمبري للأمن البحري تفيد بأن منشأة عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال مملوكة لشركة أميركية وتشغلها وترفع علم جزر مارشال تعرضت لضربة بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل أثناء وجودها في ميناء دمياط المصري
-
18:55
عون: حصر السلاح بيد الدولة قرار سيادي لبناني لا مجال لأي وساطة أو تدخل خارجي فيه
-
18:54
عون: الجيش اللبناني يخوض استحقاقا وجوديا لبسط سلطة الدولة على أراضيها ويحتاج إلى دعم متعدد الأوجه
-
18:52
"رويترز": انفجار بمحطة الغاز الطبيعي المسال بميناء دمياط في مصر أثناء تفريغ شحنة
-
18:52
مسؤول إسرائيلي: نتنياهو شدد على أن "إسرائيل" ستواصل الاحتفاظ بالمنطقة العازلة في جنوب سوريا إذا استمرت التهديدات
-
18:49
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء وزير الخارجية بحث ووزير خارجية ألمانيا جهود خفض التصعيد وتعزيز استقرار المنطقة
