اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رأت صحيفة "الغارديان" أن مستقبل رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنام قد يتأثر بدرجة كبيرة بالسياسات التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت رئاسته ستنجح أو تتعثر قد لا يكون واشنطن، بل أوروبا.

وبحسب الصحيفة، فإن السؤال لا يقتصر على ما إذا كان ترامب سيكون سبباً في صعود بيرنام أو سقوطه، وإنما يمتد إلى الكيفية التي يمكن لرئيس الوزراء الجديد من خلالها تجنب المصير الذي واجهه سلفه كير ستارمر، الذي تراجعت فرص حكومته الاقتصادية بعد التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران.

وترى الصحيفة أن الإجابة تكمن في تقليص اعتماد بريطانيا على الولايات المتحدة، والانخراط بصورة أكبر في المنظومة الأوروبية، معتبرة أن القارة أصبحت تتحرك لبناء منظومة أمنية واقتصادية أكثر استقلالاً، في وقت تزداد فيه التقلبات في السياسة الأميركية.

بداية قوية قد يبددها ترامب

وأشارت الصحيفة إلى أن الأيام العشرة الأولى من ولاية بيرنام جاءت أفضل مما كان يتوقعه هو وفريقه، إذ ارتفع صافي معدل تأييده الشعبي بنحو 17 نقطة وفق أحد استطلاعات الرأي المبكرة، محققاً مكاسب بين مختلف شرائح الناخبين باستثناء مؤيدي حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، رغم أن بعضهم أبدى أيضاً إعجاباً بجوانب من أدائه.

وأضافت أن أسلوب بيرنام الهادئ، وخطاباته التي يلقيها دون الاعتماد على ملاحظات مكتوبة، إضافة إلى حضوره الفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، أكسبته إشادات حتى من وسائل إعلام اعتادت التعامل بحذر مع السياسيين الجدد.

لكن الصحيفة لفتت إلى أن هذه البداية الإيجابية قد تنقلب سريعاً بفعل قرار واحد يصدر عن البيت الأبيض، كما حدث مع ستارمر عندما بدأت مؤشرات التعافي الاقتصادي في الظهور قبل أن تتعرض لانتكاسة عقب قرار ترامب المشاركة مع إسرائيل في مهاجمة إيران.

لا توجد صيغة مضمونة للتعامل مع ترامب

وتناولت الصحيفة الجدل الدائر في بريطانيا بشأن الطريقة المثلى للتعامل مع الرئيس الأميركي، موضحة أن فريقاً يدعو إلى اتباع نهج ستارمر القائم على تجنب المواجهة المباشرة، والإكثار من الإطراء، وربما تقديم تنازلات في ملفات مثل توسيع إنتاج النفط في بحر الشمال.

في المقابل، يرى آخرون أن ترامب لا يحترم سوى القوة، وأن التعامل معه يتطلب موقفاً أكثر صرامة حتى لو أدى ذلك إلى خلافات سياسية. إلا أن الصحيفة اعتبرت أن كلا النهجين لا يوفر ضمانة حقيقية، لأن ترامب معروف بتقلب مواقفه وسرعة تغيير قراراته، ما يجعل من الصعب على أي زعيم أجنبي التأثير في خياراته بصورة مستدامة.

وأضافت أن مسؤولين كباراً داخل الإدارة الأمريكية أقروا في أحاديث خاصة بأن تأثيرهم على قرارات ترامب محدود، وهو ما يجعل الاعتقاد بقدرة رئيس الوزراء البريطاني على توجيه سياساته أمراً غير واقعي، حتى وإن كانت لندن تحتفظ بقنوات اتصال مباشرة مع البيت الأبيض.

أوروبا بديلاً عن الاعتماد على واشنطن

وترى الصحيفة أن الحل لا يكمن في محاولة تغيير ترامب، بل في تقليل اعتماد بريطانيا على الولايات المتحدة، وهو ما ينسجم، بحسب رأيها، مع الخطاب السياسي الذي بدأ بيرنام يطرحه داخلياً، والقائم على مراجعة السياسات التقليدية ومعالجة المشكلات المزمنة.

وفي هذا الإطار، دعت الصحيفة إلى الاعتراف بأن الأساس الذي قامت عليه السياسة الخارجية البريطانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يعد مستقراً، في ظل رئيس أمريكي يثير الشكوك حول التزام بلاده بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ويتحدث عن السيطرة على أراضي حلفاء، ويقدم دعماً متقلباً لأوكرانيا في مواجهة روسيا.

وترى أن استمرار الاعتماد الكامل على واشنطن في مثل هذه الظروف ينطوي على مخاطر متزايدة، بينما بدأت الدول الأوروبية بالفعل بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً.

وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي عزز هذا التوجه عبر برنامج القروض الدفاعية (SAFE) بقيمة 150 مليار يورو لتمويل مشتريات دفاعية مشتركة، إلى جانب التعاون العسكري لدعم أوكرانيا، في إطار ما وصفه مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية مارك ليونارد بتحول الاتحاد الأوروبي إلى "مجتمع أمني".

وأضافت أن هذا التعاون لا يقتصر على الدفاع، بل يمتد إلى أمن الطاقة، والأمن السيبراني، ومواجهة التدخلات في الانتخابات، والتغير المناخي، والهجرة، بما يعزز قدرة الدول الأوروبية على مواجهة الأزمات بصورة جماعية.

مكاسب اقتصادية محتملة

ورأت الصحيفة أن لهذا التحول أبعاداً اقتصادية أيضاً، إذ إن توجيه الإنفاق الدفاعي نحو الصناعات الأوروبية يسهم في دعم التصنيع داخل القارة بدلاً من شراء المعدات الأميركية.

وأشارت إلى أن ألمانيا، على سبيل المثال، قررت تخصيص نحو 8% فقط من برنامجها الضخم لإعادة التسلح، البالغة قيمته 80 مليار يورو، لشراء أسلحة أمريكية، في وقت يتجه فيه الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسة "اشترِ أوروبياً"، وهو ما قد يترك بريطانيا خارج دائرة الاستفادة إذا بقيت بعيدة عن هذا المسار.

كما ربطت الصحيفة بين الأمن الاقتصادي والسياسات التجارية، مشيرة إلى أن العولمة أصبحت أداة ضغط تستخدمها القوى الكبرى، سواء عبر الرسوم الجمركية الأمريكية أو القيود الصينية على المعادن النادرة، وهو ما يجعل بناء قدر أكبر من الاكتفاء والمرونة الاقتصادية هدفاً مشتركاً للدول الأوروبية.

الرأي العام البريطاني أكثر تقبلاً للتقارب مع أوروبا

وأشارت الصحيفة إلى أن التوجه نحو أوروبا قد يبدو سياسياً جريئاً داخل أروقة وستمنستر، لكنه يحظى بقبول متزايد لدى الرأي العام البريطاني.

واستشهدت باستطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في حزيران، أظهر أن غالبية البريطانيين باتوا يعتبرون خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي "كارثة"، فيما يؤيد ثلاثة أرباع المشاركين إقامة علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي.

كما أظهر الاستطلاع أن 63% من البريطانيين يفضلون إعطاء الأولوية للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، مقابل 19% فقط يرون أن العلاقة مع الولايات المتحدة يجب أن تأتي أولاً، في حين أبدت نسبة معتبرة تأييدها لفكرة إنشاء جيش أوروبي يضم قوات بريطانية.

وخلصت الصحيفة إلى أن نجاح بيرنام في السياسة الخارجية قد يعتمد على استعداده لإعادة توجيه بوصلة بريطانيا نحو أوروبا، باعتبار أن الاعتماد على شريك واحد بات أكثر خطورة، بينما يوفر التعاون مع الدول الأوروبية قاعدة أكثر استقراراً لتعزيز الأمن والاقتصاد على المدى الطويل.

الأكثر قراءة

يا أهل الكهف استيقظوا...!