اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قبل عام واحد فقط، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تُعد أقرب زعيمة أوروبية إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما نجحت في بناء علاقة مميزة معه وقدمت نفسها كحلقة وصل بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وكانت ميلوني أول قائدة أوروبية يصفها ترامب بـ"الصديقة"، كما شاركت في مراسم تنصيبه، في مؤشر على التقارب السياسي بين الطرفين.

لكن سلسلة من الأزمات الدولية، بدءاً من الرسوم الجمركية الأميركية، مروراً بالحرب على إيران، وصولاً إلى الخلافات بشأن أوكرانيا والفاتيكان، دفعتها إلى إعادة تموضع لافت، جعل روما تقترب أكثر من شركائها الأوروبيين دون أن تقطع صلتها بواشنطن.

من تقارب أيديولوجي إلى تصادم المصالح

عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض، وجدت ميلوني نفسها الأقرب إليه بين قادة أوروبا. فقد جمعتهما مواقف متقاربة بشأن الهجرة، وحماية الحدود، والهوية الثقافية، وانتقاد ما يُعرف بـ"الأيديولوجيا الووكية" أو "اليقظة". 

كما تحدثت ميلوني آنذاك عن رغبتها في بناء "جسر" بين ضفتي الأطلسي، مستلهمة شعار ترامب حول "استعادة عظمة الغرب".

لكن هذا التقارب اصطدم سريعاً بالواقع؛ فالإدارة الأميركية فرضت رسوماً جمركية على أوروبا، وتصاعد الخلاف بشأن أوكرانيا، ثم جاءت الحرب الأميركية ضد إيران، التي انعكست على أسعار الطاقة والنمو الاقتصادي الإيطالي، لتدفع الحكومة الإيطالية إلى مراجعة حساباتها. 

وبلغ التباعد ذروته عندما رفضت روما استخدام قاعدة سيغونيلا الجوية في الضربات الأميركية على إيران، وانتقدت هجمات ترامب على البابا، قبل أن تنفي ميلوني بشكل قاطع ادعاء ترامب بأنها "توسلت" إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع. 

براغماتية أكثر من قطيعة

ورغم التوتر، لا ترى أوساط حزب "إخوة إيطاليا" أن العلاقة مع ترامب انتهت، بل تؤكد أن ما يجمع الطرفين ما يزال أكبر مما يفرقهما.

ويقول النائب أنطونيو جيوردانو، إن ميلوني وترامب يشتركان في ملفات مثل أمن الحدود، والمصلحة الوطنية، والهوية الثقافية، لكن ذلك "لا يعني الخضوع أو التبعية".

ورأت صحيفة "لوفيغارو" أن ميلوني لم تتخلّ عن قناعاتها المحافظة، لكنها أصبحت تفصل بين التقارب الأيديولوجي والمصلحة الوطنية، وهو ما يفسر إدارتها للعلاقة مع واشنطن خلال الأشهر الأخيرة.


أوروبا أولاً عندما تفرض المصالح

في الداخل الأوروبي، تبدلت لهجة ميلوني بصورة ملحوظة مقارنة بخطاباتها السابقة التي كانت تدعو إلى تقليص نفوذ بروكسل، أو حتى التخلي عن العملة الموحدة.

فبعد وصولها إلى السلطة، تبنت مقاربة أكثر براغماتية، مدركة أن الاقتصاد الإيطالي يعتمد على أموال خطة التعافي الأوروبية، وأن الاستقرار المالي يتطلب علاقة مستقرة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي. 

ويشير المؤرخ مارك لازار للصحيفة الفرنسية إلى أن ميلوني نجحت في الحفاظ على خطابها المحافظ، مع بناء علاقة عمل جيدة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، دون الدخول في صدامات مؤسسية مع بروكسل. 


نفوذ متزايد داخل الاتحاد الأوروبي

وترى لوفيغارو أن ميلوني لم تكتفِ بتعديل خطابها، بل أصبحت لاعباً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملف الهجرة. 

فقد ساهمت، بحسب مراقبين أوروبيين، في دفع مركز الثقل الأوروبي نحو تشديد سياسات الهجرة، بينما تعمل على بناء تحالف يميني أوسع داخل البرلمان الأوروبي يضم المحافظين والإصلاحيين وأحزاب اليمين القومي. 


أوكرانيا.. التحول الأكثر وضوحاً

ومن أبرز مظاهر البراغماتية أيضاً موقفها من روسيا، فبعد أن كان حزبها يدعو قبل سنوات إلى تخفيف العقوبات على موسكو وتحسين العلاقات معها، أصبحت ميلوني من أكثر القادة الأوروبيين دعماً لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، محافظة في الوقت نفسه على متانة العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم الخلافات مع ترامب. 

ويشير الباحث لورينزو كاستيلاني من جامعة لويس غيدو كارلي إلى أنه "رغم أن هذا الموضوع يُشكّل مصدر انقسام داخل حزبها، فقد نجحت في إسكات الأصوات المعارضة".


تقارب مع باريس بعد سنوات من التوتر

وامتدت سياسة إعادة التموضع أيضاً إلى العلاقات مع فرنسا. فبعد سنوات من الخلافات بين ميلوني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الهجرة وقضايا أوروبية أخرى، شهد يونيو الماضي تقارباً لافتاً خلال القمة الفرنسية الإيطالية في أنتيب، حيث وقع الجانبان اتفاقات ثنائية وعقدا لقاءً مطولاً، في خطوة رأت فيها الصحيفة محاولة واضحة من ميلوني لإعادة ترميم علاقاتها الأوروبية بعد تراجع دفء العلاقة مع ترامب. 

وتخلص لوفيغارو إلى أن سياسة ميلوني الخارجية باتت تقوم على مزيج من المبادئ والمصالح؛ فهي لا تتردد في التقارب مع ترامب عندما تتوافق القضايا مع رؤيتها المحافظة، لكنها تصطف إلى جانب أوروبا عندما تمس القضايا المصالح الاقتصادية أو الأمنية الإيطالية. 


وبذلك، تبدو رئيسة الوزراء الإيطالية اليوم أقل ارتباطًا بمحور سياسي ثابت، وأكثر اعتمادًا على دبلوماسية مرنة تتكيف مع التحولات الدولية، في محاولة للحفاظ على موقع إيطاليا المتوازن بين الولايات المتحدة وأوروبا.




الأكثر قراءة

لبنان بالانتظار: ما بعد انتخابات الكنيست والكونغرس قاسم يعلن انفتاحه على المفاوضات مع دمشق... وصمت سوري يقابله