يبدو أن أزمة مضيق هرمز تدخل مرحلة جديدة، مع حديث عن اتفاق مؤقت بين إيران وسلطنة عُمان قد يمهّد لإعادة فتح الممر الملاحي الحيوي، وفق ترتيبات جديدة لتقسيم حركة السفن بين مسار إيراني وآخر عُماني. وفي حال اعتماد هذه الصيغة، فقد تشكل تحولًا لافتًا في قواعد الملاحة بالمضيق، وتمنح طهران نفوذًا أكبر على حركة السفن المتجهة إلى الخليج.
ويرى تحليل نشرته صحيفة "هآرتس" أن أي اتفاق محتمل لن ينهي التوتر بين إيران والولايات المتحدة، بل قد يكون خطوة مؤقتة تعيد الطرفين إلى طاولة المفاوضات، في وقت باتت فيه تداعيات الحرب تضغط بشدة على الاقتصاد الإيراني، بينما بدأت دول الخليج بدورها تتحمل كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة.
وبين مضيق هرمز والبحر الأحمر، تتشابك الحسابات الإيرانية والخليجية والأميركية، في وقت تبرز فيه أسئلة حول مستقبل حركة النفط، ونفوذ إيران البحري، وقدرة التحالفات الإقليمية على حماية خطوط الملاحة.
إذا تم اعتماد مسار الملاحة هذا فسيمثل تنازلاً حقيقياً لإيران، لا يقتصر على الاعتراف بسيادتها على هذا الطريق الذي يمر في مياهها الإقليمية، بل يشمل أيضاً تغييراً جذرياً في قواعد الملاحة البحرية، التي كانت قبل الحرب مفتوحة أمام الجميع دون قيود أو رقابة. عملياً، يجب على أي سفينة ترغب في الوصول إلى أي ميناء في الخليج إبلاغ "سلطة خليج هرمز" الإيرانية وانتظاره إذن الدخول.
لا يُعرف بعد ما إذا وضعت معايير لإعطاء تصاريح الدخول، أو إذا كان سيسمح لإيران بتفتيش حمولات السفن القادمة ومنع دخول السفن التي تحمل سلاحاً أو "مواد خطيرة"، حسب تعريفها. هل سيكون بإمكانها رفض دخول السفن القادمة من "دول معادية" مثل الولايات المتحدة أو "إسرائيل" أو أي دولة أخرى تصفها بذلك؟ وهل ستكون هناك آلية للطعن في قرار إيران؟ هذه أمثلة على المسائل العملية التي لم يُتفق عليها حتى الآن، حسب معرفتنا. وهناك مسألة أخرى تتعلق بدفع رسوم العبور التي تصنف بأنها "رسوم خدمات الشحن"، وتشمل الملاحة والأمن وصيانة المضيق، وغيرها من النفقات التي تطالب إيران بدفع 5 – 10 في المئة من قيمة البضائع الواردة مقابلها (مقارنة مع عرض عُمان الذي يبلغ 3 في المئة). مع ذلك، حتى في حالة قبول العرض الأقل، لكن لم يحسم بعد إذا كانت هذه الرسوم إلزامية أو اختيارية كما هو متعارف عليه في مضيق ملقا.
من المهم التأكيد على أن هذا ليس اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران، بل بين إيران وسلطنة عمان. وقد سارع المتحدث باسم وزير خارجية إيران إسماعيل بقائي، الثلاثاء الماضي، إلى التأكيد على أن التوقيع على الاتفاق لا يشمل فتح المضيق أو أمن العبور فيه، وأن ذلك مرهون بسلوك الولايات المتحدة. بكلمات أخرى، ما زال التهديد قائماً.
عملياً، هذا اتفاق مؤقت لمدة ستين يوماً، يهدف إلى إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات حول تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقع عليها في حزيران الماضي، التي تعطي إيران مكاسب كبيرة جداً، من بينها رفع العقوبات الاقتصادية وانسحاب القوات الأميركية من إيران وإنشاء صندوق للتنمية والاستثمار بمبلغ 300 مليار دولار والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة في أرجاء العالم التي تزيد على 120 مليار دولار، وإعلان إيران عن عدم تطوير أو حيازة سلاح نووي، وهذا التزام غير جديد، حيث كان مدرجاً بالفعل في الاتفاق النووي الأصلي من العام 2015.
وإذا تم التوقيع على الاتفاق فسيكون نتيجة لهيكلية إقليمية فرضت على ترامب، مثلما اعترف ترامب نفسه عندما ألغى دائماً خططه لشن هجوم شامل، أو "فتح باب جهنم"، أو "تدمير الحضارة الإيرانية". لقد رسمت دول الخليج بقيادة السعودية الحدود العسكرية للمنطقة، ما قلص نطاق عمل الولايات المتحدة. وقد ظهر حلم تحالف إقليمي يعمل بوحدة وتكاتف ضد التهديد الإيراني، غير واقعي حتى قبل الحرب. وتناثرت شظاياه مع تصاعد هجمات إيران على جيرانها، التي بقيت دون أي رد.
حظيت ردود الفعل العربية الوحيدة، مثل الهجمات التي شنتها الإمارات والكويت والسعودية، بتغطية إعلامية واسعة وأثارت الإعجاب وكأنها تبشر ببداية ثورة استراتيجية. لم يكن باستطاعة إيران توقع هذا الرد الضعيف من قبل جيرانها عندما أطلقت آلاف الصواريخ والمسيرات على من كانوا يعتبرون، حتى قبل الحرب، خط الدفاع لها. لقد غامرت إيران بدافع انعدام الخيارات، نظراً لتقييمها بأنها عالقة في حرب وجود وبقاء.
بسرعة، غيرت إيران مفهومها الأمني جذرياً، وحولت دول الخليج نفسها إلى ذخر استراتيجي، ما شكل جدار دفاع أثبت فعاليته. وهذا الرصيد قد يخدم إيران بشكل جيد في المفاوضات اللاحقة مع أميركا. صحيح أن التهديد العسكري الأميركي لم يُزل حتى الآن، لكن معايير تحقيقه ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيما بعد أن أصبحت دول الخليج وصيفة في العملية السياسية وضامنة لـ "حسن سلوك" الرئيس الأميركي.
إنها الآن تؤدي الدور الذي أعطته لها إيران، عندما تبنى خامنئي سياسة المصالحة معها. صحيح أن الغلاف العربي لم يتمكن من منع حرب الـ 12 في حزيران 2025، أو الحرب التي اندلعت في شباط الماضي، لكنها الآن ترسخ أسس التعاون السياسي والاقتصادي بينها وبين إيران. لقد تكبدت إيران خسائر فادحة في الحرب، ليس فقط في بنيتها العسكرية. فقد ارتفع التضخم الرسمي إلى حوالي 80 في المئة، وتم فقدان آلاف الوظائف، وباتت أزمة البنزين الحادة تؤثر على سير عمل المؤسسات الحكومية والمواصلات والمستشفيات وشبكة الكهرباء. وعند المعابر الحدودية البرية، التي تعتبر البديل لطرق التصدير والاستيراد البحرية، آلاف الشاحنات تنتظر أياماً من أجل العبور.
وتعرقل الدول المجاورة، بما في ذلك أرمينيا وباكستان وأذربيجان وأفغانستان، حركة البضائع من وإلى إيران بتعقيدات بيروقراطية كبيرة. وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية أكثر من 30 في المئة في الشهر الماضي، ويقترب سعر صرف الريال من 2 مليون ريال للدولار، ويحصل آلاف المعلمين على رواتب جزئية أو لا يحصلون على أي راتب على الإطلاق، أيضاًتم خفض مخصصات المتقاعدين أو أصبحت دون قيمة بسبب ارتفاع الأسعار والإيجارات، التي كانت حتى قبل الحرب تلتهم معظم دخل العائلة في إيران، ثم ارتفعت بنسبة عشرات بالمئة، الأمر الذي أدى إلى نزوح آلاف المواطنين من بيوتهم والبحث عن سكن بديل في مناطق أرخص بعيدة عن أماكن العمل.
في الوقت نفسه، يستمر النظام وأجهزته في العمل ممولين استمراريتهم من خلال طباعة النقود واستنزاف صندوق الطوارئ الذي كانت تودع فيه فوائض عائدات النفط، والذي كان يشمل قبل الحرب رأسمال ضخماً يبلغ عشرات مليارات الدولارات، ولا يعرف مقدار ما تبقى منه. مع ذلك، بينما كانت دول الخليج تنتظر انهيار النظام اقتصادياً، بدأت تشعر هي أيضاً بآثار الحرب. ففي الربع الأول من هذه السنة، بلغ العجز في ميزانية السعودية 33.5 مليار دولار، أي تقريبا 80 في المئة من العجز السنوي المخطط له في بداية السنة. صحيح أنها تمكنت في الربع الثاني من خفض العجز إلى 9 مليارات دولار بفضل ارتفاع أسعار النفط، لكن توقع نموها يقدر الآن بنسبة 1.7 – 3.2 في المئة، مقارنة مع 4.5 في المئة في العام 2025.
ويسود وضع مشابه في الإمارات العربية، التي تمكنت حتى الآن من الحفاظ على ميزانية متوازنة، لكن توقعات نموها تشير أيضاً إلى انكماش يبلغ 3.2 – 4.8 في المئة. وفي دبي ربما يتجاوز الانخفاض 7 في المئة. لا حاجة إلى تعبئة جماهيرية لإنقاذ اقتصاد دول الخليج، ولا يوجد ما يدعو إلى القلق بشأن استقرارها الاقتصادي، ولكن الضرر الذي لحق بالاقتصاد يؤثر بالفعل على نطاق الاستثمارات، ووتيرة تنفيذ "رؤيا 2030" في السعودية، وعلى الخطط المشابهة في دول الخليج الأخرى. وقد وجدت الرياض وأبو ظبي بدائل جزئية لمضيق هرمز المغلق والملاحة المحظورة عليها في الخليج العربي. ولكن السعودية خسرت بعض زبائنها في شرق آسيا. وعندما تم رفع الحصار بعد التوقيع على مذكرة التفاهم اضطرت “أرامكو” السعودية إلى تقديم خصومات كبيرة للزبائن لاستعادتهم.
إذا تم تنفيذ اتفاقات الشحن في مضيق هرمز فسيتم فتح طرق النفط، لكن إيران ستدخل معها المنافسة بحجم تسويق فوري يبلغ 2 مليون برميل في اليوم، مع إمكانية زيادة العدد إلى 3.5 مليون برميل في فترة قصيرة. هذا لا يعني فقط مليارات الدولارات من الإيرادات الجديدة – إيران سوقت خلال فترة وقف إطلاق النار القصيرة وحدها نفطاً بمبلغ 6 مليارات دولار تقريبا – بل يعني أيضاً منافسة شديدة مع جيرانها على حصة السوق.
إن سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو وضع لا يتوقع أن يتغير حتى في حالة التوقيع على اتفاق نهائي وشامل مع الولايات المتحدة، لن تزيل تهديداً آخر يواجه السعودية وسوق النفط الدولية في البحر الأحمر. فقد تسبب الحصار الذي فرضه الحوثيون على الملاحة السعودية في 20 تموز الماضي في إلحاق ضرر كبير بناقلات النفط. ما أجبر حوالي 30 ناقلة على تغيير مسارها. للوهلة الأولى، يعتبر هذا "مكسباً خاصاً" للحوثيين مع السعودية، التي لا تستطيع تسويق نفطها من ميناء ينبع عبر مضيق باب المندب إلى دول آسيا.
أما الطريق البديل، عبر قناة السويس، فهي أطول وأكثر كلفة، وهي أيضاً معرضة للخطر إذا قرر الحوثيون مهاجمتها. ولا تملك السعودية والولايات المتحدة حالياً أي رد على هذا التهديد، الذي تستخدمه إيران كأداة ضغط. وقد أعلن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في نهاية تموز عن تشكيل تحالف دولي سيعمل في البحر الأحمر كقوة لحماية الملاحة البحرية. ولكن مثلما هي الحال في التحالفات السابقة التي أنشأها، فإن هذا التحالف في الوقت الحالي ليس سوى إعلان تضامن وقعت عليه 14 دولة، في حين ليس واضحاً بعد كيف ستعمل هذه القوة.
وقد تم تعيين جنرال سعودي أمس لتأسيس القوة وتخطيط نشاطاتها، ولكن مصر أعلنت بالفعل أنها لن تشارك في العمليات العسكرية في البحر الأحمر، في حين لن تنضم سلطنة عمان ودولة الإمارات إلى التحالف على الإطلاق. يبدو أن السعودية ستجبر في هذه الجبهة أيضاً على عقد اتفاقيات مباشرة مع الحوثيين وتقديم الدعم المالي، والأهم رفع الحصار المفروض على حركة الطيران إلى صنعاء. عندما تسيطر إيران على مضيق هرمز وتحصل على درع عربي واق، وعندما يشكل الحوثيون تهديداً دائماً وغير متوقع، فمن الأفضل عدم التفاؤل كثيراً من المفاوضات المتعلقة بالمشروع النووي الإيراني. والسؤال المطروح الآن هو: كيف سيصور ترامب انتصاره الكامل؟
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:54
وزير الخزانة الأميركي: سنشهد قريبًا اتفاقا بشأن فتح مضيق هرمز، ونحن نمسك بزمام الأمور.
-
18:46
"سكاي نيوز": ترامب يرشّح المحامية دانييل ثومان سيفرز لعضوية لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية
-
18:45
نائب وزير الخارجية الإيراني: طهران تطالب بحل القضايا الأمنية في المنطقة دون تدخل الأجانب
-
18:40
قصف مدفعي اسرائيلي يستهدف محيط بلدتي النبطية الفوقا وكفرتبنبت في جنوب لبنان.
-
18:37
زحمة سير خانقة والسير شبه متوقف من اوتوستراد انطلياس وصولاً الى ضبية ونهر الكلب حتى الذوق وجونية.
-
18:35
الوكالة الوطنية للاعلام: دبابة ميركافا اسرائيلية تطلق قذيفة باتجاه بلدة حداثا في جنوب لبنان بالتزامن مع عملية تمشيط للبلدة.
