اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

سلط تحليل استراتيجي الضوء عن مساع إسرائيلية يبذلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإفشال صفقة بيع مقاتلات (F-35) الأميركية لصالح تركيا، بل ذهب التحليل لأبعد من ذلك بالإشارة إلى أن نتنياهو يسعى لإحداث شرخ في علاقة واشنطن وأنقرة.

وأشار التحليل، الذي نشرته منصة (Responsible Statecraft) الأميركية التابعة لمعهد "كوينسي" للأبحاث في واشنطن، إلى أنه ولأول مرة منذ سنوات، تناقش الولايات المتحدة عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات (F-35) باعتبارها احتمالاً جدياً. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرح خلال قمة "الناتو" الأخيرة في أنقرة، بأنه سيرفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على تركيا عقب شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية (S-400) في العام 2019، وأنه يدرس بالتأكيد إعادة تركيا إلى برنامج (F-35)، الذي كانت مشاركتها فيه قد عُلّقت أيضاً في ذلك الوقت.

يذكر أن صفقة منفصلة لتزويد المقاتلة التركية محلية الصنع "كآن" (KAAN) بمحركات أمريكية قد أحرزت تقدماً في مسار المراجعة داخل الكونغرس، كما تشير تقارير إلى أن أنقرة تدرس نقل بطاريات (S-400) الخاصة بها إلى دولة خليجية، وهي خطوة طالبت واشنطن بتنفيذها لسنوات. ويلفت التحليل إلى أنه في غضون 72 ساعة من قمة "الناتو" في أنقرة، قدم نتنياهو اعتراضاته عبر 3 شبكات إعلامية أمريكية، مؤكداً أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "ليس صديقاً" ولا يمكن الوثوق به، حسب تعبيره.

وتمحور الموقف الإسرائيلي المناهض لتركيا حول تصريح أدلى به وزير الخارجية التركي هاكان فيدان؛ فعندما سُئل عبر قناة "سي إن إن تورك"، عما إذا كانت تركيا ضمن أهداف إسرائيل، فقال إن إسرائيل أصبحت تشكل مشكلة للعالم، وإن هؤلاء - في ظل هذه السياسات وهذه العقلية - "قد أصبحوا عبئاً لم تعد البشرية قادرة على تحمله". وأشارت عبارتا "هذه السياسات" و"هذه العقلية" بوضوح إلى حكومة نتنياهو، كما أن الحكم ذاته المتعلق بعزلة إسرائيل قد تردد صداه في العواصم الأوروبية وعلى مستويات عليا داخل الإدارة الأمريكية، بدءاً من ترامب ووصولاً إلى نائب الرئيس جي دي فانس، وفق التحليل. ومضى نتنياهو أبعد من ذلك، في تصريحاته لقناة "فوكس نيوز" الأمريكية، حيث قال حينها إن الوزير التركي فيدان صرح بضرورة القضاء على الدولة اليهودية تماماً، وفق رأيه.

ورأت المنصة الأميركية أن هذه الصياغة وضعت تركيا ضمن فئة قائمة بالفعل، وهي فئة الدول التي تنكر حق إسرائيل في الوجود. غير أن هذه اللغة هي لغة الخطاب الرسمي الإيراني، الذي يردده كبار المسؤولين وتُكتب عباراته على الصواريخ؛ في حين أن تركيا لم تنتهج قط سياسة كهذه، بل إنها تدعم "حل الدولتين" وتعترف بإسرائيل دبلوماسياً منذ عام 1949. وأضافت في تحليلها أنه مع ذلك، يبدو القادة الإسرائيليون - في سعيهم الحثيث للوقيعة بين أنقرة وواشنطن - عازمين على تصوير تركيا وكأنها "إيران القادمة".

ويشير التحليل الاستراتيجي إلى أن حصول تركيا على مقاتلات (F-35) من شأنه - على حد تعبير نتنياهو - أن "يخل بتوازن القوى" في المنطقة. وتستند هذه العبارة إلى مبدأ "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل، وهو بند في القانون الأمريكي يمنع واشنطن من بيع أسلحة لدول الشرق الأوسط إذا كانت تلك الأسلحة ستمنحها قدرات تضاهي الترسانة العسكرية الإسرائيلية. وأكد التحليل أنه في تركيا اليوم، يصف المعلقون والمعارضة الرئيسية عملية الشراء بأنها عمل عنيد، ترك منظومة (S-400) تصدأ في حظيرة الطائرات وأهدر 1.5 مليار دولار كانت تركيا قد دفعتها بالفعل لبرنامج (F-35). ولا تزال تركيا الدولة الوحيدة التي طُردت بعد دفعها للحصتها، ولم تُسلّم الطائرات الست التي موّلتها. ويعتمد سلاح الجو التركي على أسطول (F-16) متقادم، مع استخدام طائرات "يوروفايتر تايفون" كحل مؤقت. وتُعدّ مقاتلة "كآن" المحلية الصنع الحل الأمثل على المدى البعيد، لكن من المقرر أن تُحلّق الدفعة الأولى منها بمحركات (F-110) الأمريكية بموجب صفقة بيع بقيمة 700 مليون دولار لاقت معارضة منظمة في الكونغرس قبل الموافقة عليها في تموز.

كان العنصر الأكثر كشفاً لحقيقة موقف نتنياهو هو تعريفه لمفهوم التوازن الإقليمي؛ فمن خلال إبلاغ واشنطن بأن حصول تركيا على طائرات (F-35) من شأنه أن "يدمر توازن القوى"، ساوى نتنياهو بين الاستقرار الإقليمي واستمرار التفوق الإسرائيلي. تجدر الإشارة إلى أن "إسرائيل" تشغّل حالياً 48 طائرة من هذا الطراز ولديها عقود للحصول على 100 طائرة، في حين ينصبّ تركيز أنقرة المباشر على الطائرات الست التي سددت ثمنها بالفعل. لذا، فإن عودة تركيا إلى البرنامج لن تُلغي الميزة التي تتمتع بها إسرائيل، بل ستؤدي فحسب إلى تقليص طفيف في ذلك التفاوت القائم على القوة الجوية الإسرائيلية وحرية العمل العسكري. ورأت المنصة الأميركية أنه من الصعب التوفيق بين مخاوف إسرائيل بشأن تركيا وبين العقيدة العسكرية الإسرائيلية ذاتها، التي تتجه بشكل متزايد نحو العمليات الاستباقية والنزعة الهجومية. 

واعتبرت أنه في حين يصور مسؤولون إسرائيليون -مثل نتنياهو- امتلاك تركيا لمقاتلات (F-35) على أنه دليل على "طموحات عدوانية"، نجد أن الطائرات الإسرائيلية قد شنت ضربات استهدفت مواقع في كل من لبنان وسوريا واليمن وإيران وقطر وغزة. وتنظر أنقرة إلى هذا الأمر نظرة مغايرة؛ إذ إن مفهوم "التوازن" لدى نتنياهو - وفقاً لهذا المنظور- لا يتعلق بضبط النفس المتبادل بقدر ما يتعلق بالحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي وحرية توجيه الضربات. 

غير أن تطبيق مبدأ "التفوق العسكري النوعي" على تركيا لا يخدم المصالح الأمريكية؛ فأنقرة ليست مجرد مشترٍ في الشرق الأوسط يسعى لتحقيق توازن مع إسرائيل، بل هي عضو في حلف "الناتو" تشكل قواته الجوية ركيزة للدفاع عن الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، كما أن قدراتها الردعية تمثل قضية أمنية أوروبية بقدر ما هي قضية شرق أوسطية.

ومن شأن منح إسرائيل حق النقض (الفيتو) على مبيعات الولايات المتحدة العسكرية لحلفائها أن يضع هذا المبدأ في حالة تعارض مباشر مع متطلبات حلف "الناتو".

وبحسب التحليل، لا تقتصر مخاوف إسرائيل على التبعات العسكرية لامتلاك تركيا سلاحاً جوياً أقوى؛ إذ من غير المرجح أن ينجح نتنياهو -مهما بذل من جهود- في تغيير مسار الانفتاح الأوسع الذي انتهجه ترامب تجاه أنقرة بسهولة.

ولفت إلى أن ترامب دشّن، من خلال تعيين مساعده القديم توم باراك سفيراً لدى تركيا، مرحلة جديدة في العلاقات التركية الأمريكية؛ وهو ما عبّر عنه ترامب بوضوح حين سُئل عن معارضة نتنياهو لتزويد تركيا بمقاتلات (F35)، قائلاً: "لا أحد يملي عليّ ما ينبغي لنا بيعه أو عدم بيعه".

ويخلص التحليل إلى أنه ما لم تُقدم أنقرة على خطوة تهدد أمن "إسرائيل" مباشرةً - وهو سيناريو مستبعد - فلن يكون لدى ترامب دافعٌ يُذكر للتخلي عن علاقة يراها مفيدة؛ وتلك العلاقة - لا الطائرات بحد ذاتها - هي ما تسعى إسرائيل للحيلولة دون استمرارها.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

مفاوضات «إسرائيل» تفجّر الاشتباك في الداخل «الحزب» يهاجم الحكومة... والراعي يتمسّك بخيار الدولة