اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أسهم الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي في خفض الحواجز التقنية أمام مجرمي الإنترنت في أفريقيا، ومكّن مجموعات تفتقر سابقاً إلى مهارات برمجية متقدمة من تنفيذ عمليات احتيال وهندسة اجتماعية أكثر إقناعاً وعلى نطاق أوسع، وفق تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في أفريقيا الصادر عن منظمة "الشرطة الجنائية الدولية" (الإنتربول)، استناداً إلى أحدث معطيات الأمن السيبراني في القارة.

ووفق التقرير، أصبح بإمكان المحتالين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء رسائل بريد إلكتروني احترافية تنتحل صفة مسؤولين ومديرين، وإنتاج مقاطع صوتية ومرئية مزيفة لشخصيات معروفة، وبناء هويات رقمية اصطناعية، ما يجعل التمييز بين الاتصال الحقيقي والاحتيالي أكثر صعوبة. كما بات الذكاء الاصطناعي مستخدماً أو عاملاً مساعداً في نحو 55% من الجرائم الإلكترونية المبلغ عنها في القارة، عبر جعل الهجمات أسرع وأكثر قابلية للتوسع وأصعب في الكشف.


الخسائر ترتفع إلى 484 مليون دولار

وقال تقرير "الإنتربول" إن الخسائر المرتبطة بالجرائم الإلكترونية في أفريقيا تضاعفت بأكثر من مرتين منذ 2024، مرتفعة من نحو 192 مليون دولار إلى 484 مليون دولار، بظل اعتماد عمليات الاحتيال المعززة بالذكاء الاصطناعي وسرقة بيانات الدخول وحملات الهندسة الاجتماعية المؤتمتة.

وتأتي هذه القفزة بالتزامن مع توسع سريع في البيئة الرقمية الأفريقية، إذ تجاوز عدد مشتركي الهاتف المحمول في القارة 1.1 مليار مشترك خلال 2025، في وقت لا تزال فيه التشريعات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية والجاهزية التقنية لدى أجهزة إنفاذ القانون متفاوتة بصورة كبيرة بين الدول. واعتمد التقرير على بيانات واستطلاعات من 36 دولة أفريقية، وخلص إلى أن الجريمة الإلكترونية تحولت من عمليات فردية متفرقة إلى منظومة إجرامية عابرة للحدود وأكثر تنظيماً.


التصيد والهويات الرقمية

ومن أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي قدرة المجرمين على كتابة رسائل احتيالية سليمة لغوياً ومصممة بما يتناسب مع الشخص أو المؤسسة المستهدفة. وتشير شركة الأمن السيبراني "ESET" إلى أن الذكاء الاصطناعي يستخدم خصوصاً في زيادة حجم حملات التصيد وتحسين محتواها وتسريع تطوير البرمجيات الخبيثة وتعزيز الهندسة الاجتماعية، بما يسمح لمهاجمين محدودي الخبرة بتنفيذ عمليات كانت تتطلب سابقاً قدرات تقنية أعلى.

وحذر "الإنتربول" من انتقال المجرمين من مجرد سرقة بيانات أشخاص حقيقيين إلى إنشاء هويات اصطناعية بالكامل، عبر الجمع بين معلومات شخصية حقيقية وعناصر مولدة بالذكاء الاصطناعي. كما سجل التقرير استخداماً متزايداً لمقاطع "التزييف العميق" (Deepfake) في الاحتيال المالي والابتزاز والتحرش الإلكتروني وانتحال شخصيات عامة، فيما سجلت شركة "TrendAI" نحو 600 ألف حالة كشف مرتبطة بالابتزاز الجنسي الإلكتروني وفق بيانات "الإنتربول".


رسائل الشركات هدف رئيسي

وشهدت عمليات اختراق البريد الإلكتروني للشركات ارتفاعاً في درجة التعقيد، إذ يستخدم المهاجمون الذكاء الاصطناعي لتقليد مراسلات المديرين والموردين وإقناع الموظفين بتحويل أموال أو كشف معلومات حساسة.

وأوضح "الإنتربول" أن مجموعات تعمل من داخل أفريقيا تستهدف أيضاً مؤسسات وأفراداً في أوروبا وأميركا الشمالية، مستخدمة بنى تحتية موزعة على دول عدة، ما يجعل التحقيق والملاحقة أكثر تعقيداً.

وتتركز بعض أنماط الجريمة بحسب المنطقة، إذ برز شرق أفريقيا كمركز للاحتيال المرتبط بالأموال عبر الهاتف وهجمات الفدية على البنى التحتية، فيما تنتشر عمليات الاحتيال عبر البريد الإلكتروني والعلاقات العاطفية الوهمية بصورة لافتة في غرب ووسط أفريقيا. أما جنوب القارة، فتجعله مستويات الاتصال الرقمي المرتفعة هدفاً جذاباً لمجموعات إجرامية دولية تسعى إلى إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر.


مراكز الاحتيال تنتشر في غالبية الدول

وأفادت 72% من الدول الأفريقية التي شملها المسح بوجود مراكز تنفذ عمليات احتيال إلكتروني داخل أراضيها، مع أعلى نسب الانتشار في جنوب وغرب القارة. وظلت عمليات الاحتيال عبر الإنترنت أكثر أنواع الجرائم الإلكترونية المبلغ عنها خلال 2025، مستفيدة من منصات التواصل الاجتماعي وخدمات الأموال عبر الهاتف والأدوات الجديدة للذكاء الاصطناعي للوصول إلى أعداد أكبر من الضحايا.

ويحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الخطر الرئيسي لا يكمن في ابتكار الذكاء الاصطناعي أشكالاً جديدة تماماً من الجريمة بقدر ما يكمن في منح الأدوات القديمة سرعة وحجماً وواقعية أكبر، وخفض مستوى المهارات اللازمة لتنفيذها. وهذا ما يجعل الاحتيال والتصيد وانتحال الهوية متاحاً لشريحة أوسع من المجرمين.


فجوة بين المجرمين وأجهزة إنفاذ القانون

ويبرز التقرير أيضاً مشكلة ضعف جاهزية عدد من أجهزة إنفاذ القانون الأفريقية للتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب غياب التبادل الفوري للبيانات بين الشرطة والمصارف وشركات الاتصالات، وهو ما وصفه "الإنتربول" بأنه "ثغرة خطرة" يستفيد منها المجرمون.

وفي محاولة لمواجهة الاتجاه المتصاعد، أقرت أو عدلت 17 دولة أفريقية تشريعات للجرائم الإلكترونية خلال 2025، فيما أسفرت أربع عمليات كبرى نسقها "الإنتربول" في القارة عن أكثر من 1500 توقيف واستعادة أكثر من 100 مليون دولار.

ودعا "الإنتربول" إلى توحيد قدرات التحقيق الجنائي الرقمي، وتعزيز التعاون عبر الحدود، ورفع مستوى معرفة أجهزة الشرطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسيع الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص.

الأكثر قراءة

جلسة تشريعية ساخنة وخلافات بالجملة عون يحسمها: خيارنا التفاوض... هل تكسر زيارة كليرفيلد المراوحة؟