اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

سلّطت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية الضوء على رواية أثارت جدلًا بشأن البرنامج النووي الإيراني، استندت إلى تصريحات منسوبة إلى أحمد وحيدي، القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني، ونقلها مدوّن هندي يميني متطرف مثير للجدل.

وبحسب الصحيفة، حملت التصريحات المنسوبة إلى وحيدي ما اعتُبر إقرارًا إيرانيًا غير مسبوق بتطوير أسلحة نووية، إذ جاء فيها: "طالما امتلكت الولايات المتحدة و"إسرائيل" أسلحة نووية، سنواصل العمل على تطويرها من أجل أمننا القومي. وإذا تخلّوا عن أسلحتهم، فسنتخلى نحن أيضًا عن أسلحتنا".

وأشارت "يديعوت أحرونوت" إلى أن الرواية بدت لافتة للوهلة الأولى، إلا أنها تثير تساؤلات بشأن مصدر التصريحات ومدى صحتها، ولا سيما أنها نُقلت أساسًا عن مدوّن هندي مثير للجدل.

ووفقًا لما أوردته "يديعوت أحرونوت"، لو كانت هذه القصة صحيحة، لكان ذلك تطوراً تاريخياً سيُثير نقاشاتٍ عالمية. فعلى مدى عقود، ادّعى النظام الإيراني أن برنامجه النووي للأغراض المدنية، وأنه لا يسعى لتطوير قنبلة نووية. وفجأة، يبدو أن أرفع مسؤول في جهاز الأمن الإيراني، الذي خصصت له القناة 14 مساحةً واسعةً على الشاشة في الأسابيع الأخيرة، مُدّعيةً أنه صاحب القرار في طهران، قد نطق بالحقيقة بصوته، في زمن الحرب، بينما تُحاصر القوات الأمريكية بلاده.

وقالت الصحيفة إن بحثًا مُطوّلًا باللغات الفارسية والإنكليزية والعربية والعبرية أظهر عدم وجود أي خطاب أو فيديو أو تسجيل أو نص مكتوب أو خبر في أي وكالة أنباء إيرانية أو أي مصدر آخر نُقل فيه هذا الاقتباس. انطلقت هذه الشائعة من الهند، حيث نُشرت دون مصدر بلغة إنجليزية وهندية ركيكة، ثم انتقلت إلى حساب إسرائيلي ذي طابع أمني، حيث تم تصحيح اللغة الإنجليزية وإضافة تأكيد درامي على أول نطق للكلمات. ومن هناك، وصلت إلى القناة 14، ولكن على موقعها الإلكتروني الإنجليزي فقط. وعلى القناة، عُرضت ليس كشائعة على الإنترنت، بل كـ “اعتراف” إيراني مثير.

وأضافت "يديعوت أحرونوت" أنه بعد ذلك بوقت قصير، اقتبس نتنياهو “الاعتراف” نفسه في خطاب علني: “سمعنا اليوم”، قال، وحيدي يُعلن “صراحةً” نية إيران مواصلة تطوير الأسلحة النووية. وبذلك، حظيت الشائعة المُختلقة بموافقة رئيس الوزراء الرسمية.

وتابعت الصحيفة أنه من هناك، انتقلت إلى أمريكا. ورددها ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الجمهوريين، أحدهم شخصية بارزة، وذكرت قناة “فوكس نيوز” “استنادًا إلى نصوص مُسربة” أن القائد الإيراني صرّح بالفعل في ذلك الأسبوع بأن إيران ستواصل العمل على الأسلحة النووية. أعاد سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، مايكل والتس، نشر التغريدة ثم حذفها، وبعد أن اتضح أن الخبر مزيف ولا أساس له من الصحة، بدأت قناة فوكس نيوز سلسلةً من التصحيحات وإعادة الصياغة وحذف التغريدات والتوضيحات، في ما يشبه السخرية.

ووفق الصحيفة، ذكرت النسخة الجديدة أن التصريحات المنسوبة إلى وحيدي ربما قيلت في عام 2025، وربما في وقت مختلف، وأنه قال في الواقع إن الموقف الإيراني الرسمي هو أن تطوير قنبلة ليس مطروحًا على جدول الأعمال. وفي أسفل الخبر، أضافت القناة “ملاحظة من المحرر” تفيد بأن تصريحات وحيدي “أُخرجت من سياقها ووُضِّحت وكأنها قيلت هذا الأسبوع”.

وتساءلت "يديعوت أحرونوت": من الذي أخرجها من سياقها؟ من كتب أنها قيلت هذا الأسبوع؟ من حوّلها إلى اعتراف بتطوير قنبلة؟ تبقى هذه الأسئلة بلا إجابة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في عالمٍ يعجّ بالتضليل الإعلامي، قدّم التحقيق في قضية وحيدي (الذي أُجري بالتعاون مع منظمة “بودكيم” لمكافحة التضليل) شيئًا نادرًا: ليست شكوكاً، ولا تقييماً، ولا نقاشاً حول النسب، بل مسار موثق لمعلومات كاذبة – بدءًا من رواية أجنبية مجهولة المصدر، مرورًا بوسائل الإعلام الإسرائيلية، وخطاب رئيس الوزراء، ووسائل الإعلام الأمريكية، وشخصيات سياسية، وصولًا إلى وضعٍ يُمكن فيه لكل حلقة في السلسلة أن تُشير إلى الحلقة التالية كدليل على صحة القصة منذ البداية. وقد بقيت سلسلة من الأسئلة التي وجّهناها إلى مكتب نتنياهو حول هذا الموضوع، وأهمها: كيف يُمكن لرئيس الوزراء أن يُضمّن معلومات كاذبة في خطابه، في حين أن جهاز المخابرات الإسرائيلي بأكمله تحت تصرّفه وقادر على التحقق منها؟ – دون إجابة. أجاب المكتب عن السؤال غير المطروح قائلًا: “دولة إسرائيل تؤيد تمامًا تصريح رئيس الوزراء بأن نظام الحرس الثوري في إيران يطمح إلى تطوير أسلحة نووية”، ولم ينفِ المكتب أن يكون التصريح مُزيّفًا.

وبحسب "يديعوت أحرونوت"، حتى الآن، يُمكن تفسير كل شيء تقريبًا كنتيجة لسلوك إعلامي طبيعي في عالمٍ مُضطرب. لكن ثمة جانب آخر يصعب تجاهله: الانتخابات على الأبواب. والسؤال ليس فقط ما الذي نخشاه، بل أيضاً من يُصوَّر على أنه القادر على إنقاذنا.

وأضافت الصحيفة أنه لا تبدو الإجابة غامضة على الأقل في القناة 14. إيران لا تزال في طريقها لامتلاك القنبلة النووية؛ والصواريخ في طريقها إلى أمريكا؛ وتركيا هي إيران القادمة؛ وسوريا تُعيد بناء سلاحها الجوي؛ وقد تُوقِّع الدول العربية معاهدات سلام معنا لتضليلنا فقط؛ وحماس تُعيد اختبارنا كما فعلت قبل 7 أكتوبر. يبدو العالم بأسره كحلقةٍ تُضيِّق الخناق. وداخل هذه الحلقة رجلٌ واحد يُقدَّم مرارًا وتكرارًا كقائدٍ تاريخي، يكاد يكون قائدًا فريدًا، الوحيد القادر على إنقاذنا من هذه السيناريوهات المُرعبة. اسمه نتنياهو.

ورأت "يديعوت أحرونوت" أن هذا لا يُعد دليلًا على حملة مُنسَّقة. لكن هذا قد يشير إلى غرض سياسي محتمل: ليس فقط التخويف، بل أيضاً تذكير الجمهور، أسبوعاً بعد أسبوع، بهوية الرجل الذي يُفترض أنه لا يمكن استبداله حالياً.

وتابعت الصحيفة أن الخبر لا يشترط أن يبقى زائفاً إلى الأبد. فإذا استمر لفترة كافية، يصبح جزءاً من الخلفية. ثم تُبنى حوله قصة جديدة. وأخيراً، يصبح انتشاره بين الجميع تأكيداً بحد ذاته. وقصة وحيدي أهم بكثير من اقتباس إيراني واحد لم يُذكر. هنا أتيحت لنا فرصة نادرة لرؤية الآلية كاملةً مكشوفة: يبدأ الادعاء من مكان ما دون مصدر. ثم ينتقل عبر رواية ثانية. ويكتسب صفة الخبر في إحدى وسائل الإعلام.

وخلصت "يديعوت أحرونوت" إلى أنه يقتبسه رئيس الوزراء. وتقتبسه إحدى وسائل الإعلام الأمريكية. ويصل الادعاء إلى السياسيين الأمريكيين. ثم، عندما يُسأل عن المصدر، يمكنك الإشارة إلى ستة أماكن على الأقل “نُشر” فيها. لم يعد الأمر مجرد نقاش حول المبالغة: إنه ببساطة خبر زائف. وقد وصل إلى خطاب رئيس الوزراء. 

الأكثر قراءة

هل يُـصلح سلام خطأه تجاه منسى؟ كليرفيلد يسعى إلى التسوية... فهل ينجح الأميركيون؟