كيف تؤثر موجات الحر على الاقتصاد الاوروبي؟

20 آب 2026 الساعة 13:50
كيف تؤثر موجات الحر على الاقتصاد الاوروبي؟
A- A+

لم تعد موجات الحر الشديدة التي تضرب أوروبا مجرد أزمة مناخية موسمية، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي يضغط على عدد من القطاعات الحيوية ويكبّدها خسائر متزايدة.

وشهدت أوروبا خلال هذا الصيف 5 موجات حر، أسهمت في اندلاع حرائق غابات كارثية، وتعطيل جزء من إمدادات الطاقة، والإضرار بالمحاصيل الزراعية، فضلًا عن استنزاف مخزونات المياه وانخفاض مستويات الأنهار والخزانات، ما فاقم الضغوط الاقتصادية التي تواجه القارة.

وحطمت درجات الحرارة في أوروبا أرقامًا قياسية هذا الصيف، متجاوزة مستوى 45 درجة مئوية في بعض المناطق، كما أودت موجات الحر الشديدة بحياة أكثر من 25 ألف شخص في أنحاء القارة حتى الآن في عام 2026، في حين فاقمت درجات الحرارة المرتفعة من حدة الجفاف الناجم عن انخفاض هطول الأمطار بشكل استثنائي في العديد من المناطق.

وبحسب تقرير نشرته "بلومبرغ" واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن تداعيات موجات الحر الشديدة التي شهدتها القارة العجوز في 2026 قد تتسبب في محو معظم النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، والبالغ 1.1 بالمئة هذا العام، وذلك وفقًا لتحليل أجراه بنك ترايودوس.

ومع اتساع نطاق هذه التداعيات، رصدت "بلومبرغ" خمس طرق رئيسية تؤثر بها موجات الحر على الاقتصاد الأوروبي.

يُعدّ نهر الراين شريانًا حيويًا للتجارة في أوروبا، إذ يربط مدينة روتردام الهولندية بأكثر موانئ أوروبا ازدحامًا بالمراكز الصناعية في ألمانيا.

وتتوزع على ضفاف نهر الراين مصانع شركات كبرى، من بينها شركة BASF SE العملاقة للمواد الكيميائية، وشركة دايملر AG لصناعة السيارات، وشركة شل Plc النفطية، وشركة تيسن كروب AG لصناعة الصلب.

ويتم نقل المواد الكيميائية والمنتجات النفطية والحبوب وغيرها عبر نهر الراين بواسطة البارجات، إلا أن منسوب المياه في النهر انخفض خلال هذا الصيف، وتحديدًا في محطة كاوب، وهي نقطة اختناق رئيسية في ألمانيا جنوب كولونيا، إلى 7 سنتيمترات فقط خلال شهر آب، ما أجبر السفن إما على تقليل حمولتها لتجنب جنوحها أو تعليق رحلاتها. كما اضطرت بعض المصانع إلى خفض الإنتاج، نظرًا إلى عدم قدرة خطوط السكك الحديدية والطرق على تعويض تراجع عمليات الشحن عبر النهر.

ورغم أن منسوب المياه في نهر الراين ينخفض عادةً في فصل الصيف، إلا أنه يصل إلى أدنى مستوياته في وقت متأخر من الفصل، علمًا أنه إذا استمر انخفاض منسوب المياه في النهر بشكل حرج حتى منتصف شهر أيلول المقبل، فقد يؤدي ذلك إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بنحو 0.35 نقطة مئوية في الربع الثالث من 2026، وفقًا لتقديرات كومرتسبانك.

تؤثر الظروف الحارة والجافة سلبًا على المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية في أوروبا، مما يهدد الإمدادات الغذائية ويزيد من الضغط على المزارعين، الذين يعانون بالفعل من ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود نتيجة للحرب الأميركية الإيرانية.

ومن المرجح أن تكون موجة الحر التي ضربت أوروبا في حزيران الماضي قد كلّفت مزارعي الحبوب الأوروبيين خسائر في الإيرادات بلغت ملياري يورو (2.3 مليار دولار أميركي)، وفقًا لوحدة معلومات الطاقة والمناخ، وهي مركز أبحاث بريطاني.

وتواجه القارة الأوروبية حاليًا أحد أشد انخفاضات إنتاج الحبوب على أساس سنوي منذ عقود، حيث تشير تقديرات الحكومة الفرنسية، أكبر منتج زراعي في الاتحاد الأوروبي، إلى أنها تتجه نحو تسجيل أضعف محصول ذرة منذ عام 1980. وقد أدى الضغط على إنتاج الحبوب الأوروبي إلى ارتفاع الأسعار، ويأتي ذلك في وقت باتت فيه الإمدادات العالمية أكثر عرضة للتقلبات.

شكلت الطاقة الكهرومائية، التي تعد مصدرًا رخيصًا للطاقة، حوالي 6 بالمئة من إمدادات الكهرباء في أوروبا عام 2025، وذلك وفقًا لبيانات شركة Ember.

ولكن مع تراجع نسبة هطول الأمطار في أوروبا وعدم كفاية المياه المتاحة لتشغيل التوربينات، اضطر منتجو الطاقة الكهرومائية في القارة إلى خفض إنتاجهم.

وفي تموز 2026، تراجع إنتاج محطات الطاقة الكهرومائية في إيطاليا، المعتمدة على تدفقات الأنهار، إلى أدنى مستوى له خلال هذا الشهر منذ عقد على الأقل، وفقًا لبيانات شركة Entso-E.

أما جنوب النرويج، التي تُعد من أبرز مصدّري الطاقة الكهرومائية إلى المملكة المتحدة وأوروبا القارية عبر الكابلات البحرية، فقد تراجعت مستويات المياه في خزاناتها إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد.

وفي جبال الألب، انخفضت احتياطيات المياه في فرنسا وإيطاليا وسويسرا إلى مستويات أدنى بكثير من المتوسطات التاريخية لهذا الوقت من العام.

وما لم تشهد أوروبا زيادة كبيرة في هطول الأمطار، فمن المرجح أن يتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية بشكل أكبر، ما قد يدفع أسعار الكهرباء إلى الارتفاع مع زيادة الاعتماد على محطات توليد الكهرباء بالغاز.

أدى الطقس الحار والجاف إلى الحد من إنتاج الطاقة عبر المفاعلات النووية، إذ أصبحت الأنهار دافئة جدًا أو ضحلة جدًا بحيث لا يمكن سحب المياه منها لتبريد المفاعلات.

وشهدت فرنسا خسائر قياسية في إنتاج الطاقة عبر المفاعلات النووية بسبب الحرارة في مفاعلاتها خلال شهري حزيران وتموز 2026، وفقًا لبيانات شركة ICIS.

وتواجه المنشآت النووية الساحلية في فرنسا تحديًا آخر يتمثل في ازدياد أعداد قناديل البحر، فمع ارتفاع حرارة المياه، تتكاثر هذه الكائنات بكثافة أكبر، ما يزيد من احتمال انجرافها إلى أنظمة تبريد محطات الطاقة النووية التي تعتمد في هذه العملية على مياه البحر. وقد أجبر تدفق قناديل البحر شركة كهرباء فرنسا (EDF) على إغلاق مفاعلات في محطة غرافلين شمال فرنسا في آب، ما أدى إلى توقف حوالي 5 بالمئة من الطاقة النووية في البلاد.

وفي أوروبا الشرقية، دفع انخفاض منسوب نهر الدانوب الدول إلى الاعتماد على واردات الطاقة المكلفة لتعويض النقص في الطاقة النووية، إذ تم إغلاق أحد المفاعلين في محطة تشيرنافودا النووية في رومانيا في أواخر تموز، ومن ثم المفاعل الثاني في شهر آب. وتغطي محطة تشيرنافودا عادةً 20 بالمئة من احتياجات رومانيا من الكهرباء.

وفي المجر، توقفت ثلاثة من المفاعلات الأربعة في محطة باكس النووية عن الخدمة خلال أواخر تموز وأوائل آب. وتُعد باكس المحطة النووية الوحيدة في البلاد، وتغطي طاقتها الكاملة حوالي 40 بالمئة من احتياجات المجر من الكهرباء.

هيأت موجات الحر والجفاف المستمرة الظروف المثالية لانتشار حرائق الغابات في أوروبا، مما أجبر مئات الآلاف من الأشخاص على إخلاء منازلهم. والتهمت النيران أكثر من 5500 كيلومتر مربع من الأراضي في الاتحاد الأوروبي منذ بداية العام، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف مساحة لندن.

وقد تتسبب حرائق الغابات في فرنسا وحدها بخسائر اقتصادية تتراوح بين 10 و15 مليار يورو، وفقًا لشركة التصنيف الائتماني مورنينغ ستار دي بي آر إس.

وتقول الكاتبة والباحثة الاقتصادية محاسن مرسل، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما يحدث في أوروبا هذا الصيف يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد مجموعة من الخسائر المنفصلة، لأن الخطر الحقيقي يكمن في تزامن الضغوط وتفاعلها مع بعضها البعض.

فعندما يتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية بالتزامن مع انخفاض قدرة بعض المحطات النووية، لا تخسر أوروبا جزءًا من إنتاجها الكهربائي فحسب، بل تضطر أيضًا إلى اللجوء إلى مصادر بديلة أكثر كلفة، وفي مقدمتها الغاز، ما يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار الكهرباء ويعيد تغذية بعض الضغوط التضخمية في الاقتصاد.

وتشير مرسل إلى أن تداعيات ارتفاع أسعار الكهرباء لا تقتصر على الأسر والمستهلكين، بل تمتد إلى القطاع الصناعي، من خلال زيادة تكاليف التشغيل، ولا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والمعادن والأسمدة، وهو ما يفتح بدوره بابًا أمام تحدٍ أعمق يتعلق بتنافسية الصناعة الأوروبية وقدرتها على الحفاظ على مستويات الإنتاج والاستثمار.

وتشرح مرسل أن تراجع مستويات الأنهار يكشف هشاشة أخرى في نموذج البنية التحتية الأوروبية، فالقارة بنت جزءًا مهمًا من شبكاتها الصناعية والتجارية على افتراض وجود مستويات مائية يمكن الاعتماد عليها تاريخيًا، ولكن عندما تصبح هذه المستويات أكثر تقلبًا، فإن الشركات ستضطر إلى دفع تكلفة أعلى لتأمين بدائل النقل والتخزين أو إعادة توزيع سلاسل الإمداد.

وتشدد على أن هذه التطورات تفرض على الحكومات الأوروبية إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة والمياه معًا، من خلال الاستثمار في بنية تحتية أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتنويع مصادر الطاقة ووسائل النقل وتعزيز شبكات التخزين والربط بين الأسواق، بما يقلل من تعرض الاقتصاد الأوروبي لصدمات مناخية قد تتحول سريعًا إلى اضطرابات في الإنتاج والتجارة والأسعار.

وبحسب مرسل، فإن تكلفة موجات الحر لا تظهر بالكامل في أرقام الخسائر المباشرة في الاقتصاد الأوروبي، إذ إن جزءًا كبيرًا منها سيظهر تدريجيًا ولاحقًا في صورة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الإنتاجية وزيادة الإنفاق الحكومي على التكيف مع المناخ، لافتةً إلى أن نحو 75 بالمئة من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالظواهر المناخية المتطرفة في أوروبا لا تزال غير مؤمّنة، ما يعني أن جانبًا كبيرًا من كلفتها سينتقل حتمًا إلى الشركات والأسر والحكومات.

بدوره، يقول المحلل الاقتصادي محمد سعد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن خطورة موجات الحر في أوروبا تكمن في تحولها من "أزمة موسمية عابرة" إلى "عائق هيكلي" يكبّل النمو الاقتصادي.

فعندما ترتفع الحرارة إلى مستويات شديدة، تتراجع إنتاجية العامل، لا سيما في قطاعات البناء والزراعة والنقل والصناعة، علمًا أن عددًا كبيرًا من المنشآت الصناعية والإنتاجية في أوروبا يفتقر إلى التجهيزات اللازمة للتعامل مع الحرارة المرتفعة، ما يؤدي إلى تباطؤ وتيرة الإنتاج، وتأخير تنفيذ الأعمال، وارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على حجم الناتج المحلي الإجمالي، وقدرة الشركات على الاستثمار والتوسع، فضلًا عن تنافسية الاقتصاد الأوروبي.

ويكشف سعد أن موجات الحر تفرض تحديًا إضافيًا على البنوك المركزية الأوروبية، لأنها قد تغذي ضغوطًا تضخمية ناتجة عن صدمات في جانب العرض، وهي ضغوط لا يمكن لرفع أسعار الفائدة معالجتها بسهولة.

فتراجع إنتاج المحاصيل لا يعني فقط خسائر للمزارعين، بل يؤدي إلى انخفاض المعروض من بعض السلع الغذائية وارتفاع أسعارها، بينما يرفع تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية والنووية الحاجة إلى مصادر بديلة أكثر تكلفة.

ويشير سعد إلى أن رفع أسعار الفائدة لمواجهة هذا النوع من التضخم في الأسعار قد يخفف بعض الضغوط السعرية، ولكنه لا يعالج أصل المشكلة المتمثل في نقص المياه أو تراجع الإنتاج الزراعي والطاقة، الأمر الذي يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة.

ويشير سعد إلى أن موجات الحر المتكررة تفرض على الحكومات الأوروبية إعادة النظر في أولويات الإنفاق والاستثمار، إذ لم يعد التعامل مع هذه الظاهرة يقتصر على احتواء الخسائر بعد وقوعها، بل أصبح يتطلب بناء قدرة أكبر على التكيف معها.

ويوضح أن أوروبا ستكون بحاجة إلى استثمارات واسعة لتحديث شبكات الكهرباء، وتطوير قدرات تخزين الطاقة، وتحسين إدارة الموارد المائية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية للنقل النهري والسككي، وتطوير محطات توليد الكهرباء لتكون أكثر قدرة على العمل في ظل درجات الحرارة المرتفعة.

ويعتبر سعد أن هذه الاستثمارات يجب ألا يُنظر إليها باعتبارها تكلفة إضافية على الموازنات العامة، بل كوسيلة للحد من خسائر مستقبلية أكبر، لأن كل تأخير في تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع تغير المناخ قد يرفع كلفة الأضرار والإصلاحات لاحقًا، مشيرًا إلى أن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الحكومات الأوروبية لم يعد "كم تكلفنا موجة الحر اليوم؟" بل "كم سيكلفنا عدم الاستثمار في التكيف معها غدًا؟"

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration