الدولة بين إبن خلدون والطوباوي البطريرك إلياس الحويّك من العصبيّة والدين الى الدولة الواحدة الجامعة الحرّة

12 أيلول 2026 الساعة 00:00
الدولة بين إبن خلدون والطوباوي البطريرك إلياس الحويّك 
من العصبيّة والدين الى الدولة الواحدة الجامعة الحرّة
A- A+

البروفسور الاب يوسف مونس


تقوم الدولة عند ابن خلدون وتنشأ على الأسس التالية: الدولة ليست مجرد أرض وحدود ومؤسسات، بل هي نتيجة اجتماع بشري يمتلك القدرة على التنظيم وإقامة السلطة. فالإنسان لا يقدر أن يعيش منفردًا، حتى آدم بحسب الكتاب المقدس، شعر بالوحدة، فخلق الله له حواء لأنه كان وحيدا.

لذلك، لا يفرح الإنسان بوجوده منفردا، حتى الناسك يفرح بوجوده مع الله. فالإنسان يحتاج إلى الاجتماع، والاجتماع يحتاج إلى وازع، أي إلى سلطة تمنع الاعتداء، وتحفظ النظام، وتقيم الأمن والعدل، وتؤمن الحماية.

ويعطي ابن خلدون أهمية كبرى للعصبية التي تجمع الجماعة أو العشيرة أو القبيلة، فتولد الحماية والسلطة، ومنها تنشأ الدولة.

فالجماعة تحتاج إلى سلطة تنظّمها، وهذه السلطة لا تأتي من الفراغ، بل تحتاج إلى قوة تجمع أفراد الجماعة للدفاع والحماية. والعصبية هي القوة المحركة، كما أن الدين يمكن أن يكون قوة جامعة، تعزز هذه العصبية وتوحد الجماعة.

أما الدولة فهي تمر بخمس مراحل بحسب ابن خلدون:

1- مرحلة التأسيس.

2- مرحلة الانفراد بالسلطة.

3- مرحلة الاستقرار والازدهار.

4- مرحلة الترف والرفاهية والاستكانة.

5- مرحلة الانهيار والضعف، حيث تصبح الدولة بحاجة إلى قوة خارجية لحمايتها.

وهنا، تبدأ دورة جديدة وتاريخ جديد، لأن الدولة لا تقوم فقط بوجود الأرض والدستور والسلطة، بل تقوم على النظام، وتقوى بالعدل والعمران، وتضعف بالتزييف والظلم والتشكيك والانقسام، وبسقوط القوة والقيم التي قامت عليها. وتسقط الدولة إذا سقط التآلف، والمصلحة المشتركة، والقيم، والعدل.

أما لبنان، فهو دولة وليس مجرد عصبيات. فقد جمع الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك طوائفه في إطار وطن واحد، بعد أن كانت مجتمعات قائمة على العصبيات المريضة، فحوّلها إلى حلم لبنان الكبير. ومع الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك ترسخت هوية لبنان التاريخية، ثم جاء الحويّك لينقل لبنان من كونه أرضا وحدودا، كما يقول ابن خلدون، إلى كونه مجتمعا موحدا تحت سلطة واحدة، ووطنا متنوعا له دستور وجيش ونظام ليبرالي برلماني حر.

فقامت الدولة مع الحويّك على أساس وطن اللقاء، وقبول الآخر، وحوار الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب، واحترام الإنسان.

لم يقم لبنان على العصبية، بل على رؤية وطنية تعددية، تقوم على الحوار بين الحضارات، وقبول الآخر، واحترام غناه وتنوعه وإنسانيته. ومن هنا برزت فلسفة الشخصانية التي ترى أنه لا معنى لوجودي منفردا، من دون وجود الآخر والاغتناء به.

وهذه هي الأنثروبولوجيا في معناها العميق: الإنسان الغني بثقافة الاحترام، ومحبة الآخر، وصون كرامة الشخص البشري.

لقد أسس الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك طاقة فكرية وروحية كبيرة لمفهوم الدولة والمجتمع والمصير المشترك، من أجل بناء حضارة الحوار واللقاء والمحبة، لا حضارة العصبية والانقسام. فلبنان، في رؤيته، لا يتبع شرقا ولا غربا، بل هو وطن يجمع الشرق والغرب في حضارة اللقاء والمحبة، ويؤسس دولته على كرامة الشخص البشري رجلا وامرأة، وعلى الحرية والعيش المشترك.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration