من قيود ما بعد الحرب إلى دور عسكري أوسع.. اليابان تغيّر سياستها الدفاعية

من قيود ما بعد الحرب إلى دور عسكري أوسع.. اليابان تغيّر سياستها الدفاعية
A- A+

قالت مجلة "فورين أفيرز"، إن اليابان تشهد تحولاً غير مسبوق في سياستها الدفاعية والأمنية، بعدما بدأت تتخلى تدريجياً عن القيود التي فرضتها على نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتزيد استثماراتها العسكرية ودورها في أمن المنطقة.


وأوضحت المجلة، أن طوكيو ضاعفت تقريباً ميزانيتها الدفاعية، واشترت صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف عسكرية في الصين وكوريا الشمالية، ووقعت اتفاقيات تسمح لقواتها بالعمل خارج أراضيها، كما رفعت الحظر المفروض على تصدير الأسلحة.


وترى المجلة أن هذا التحول يخدم المصالح الأميركية، إذ لا تسعى اليابان إلى الابتعاد عن واشنطن أو تحقيق استقلال استراتيجي عنها، بل تعمل على تعزيز قدرتها على حماية المنطقة بالتنسيق مع الولايات المتحدة وحلفائها.

في المقابل، حذرت "فورين أفيرز" من أن واشنطن قد تهدر هذه الفرصة إذا لم تمنح علاقتها مع طوكيو أولوية أكبر، خصوصاً في ظل تصاعد المنافسة مع الصين وتزايد المخاوف بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.


ولعقود طويلة، قام التحالف الأميركي الياباني على تقسيم واضح للأدوار؛ إذ تولت الولايات المتحدة مسؤولية ضمان أمن اليابان، بينما ركزت طوكيو على إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب.


وقد حقق هذا الترتيب فوائد للطرفين، فحصلت واشنطن على وجود عسكري مستقر في آسيا، فيما تمكنت اليابان من إعادة بناء اقتصادها تحت مظلة أمنية أمريكية، مع إبقاء قدراتها العسكرية ضمن قيود دستورية وسياسية صارمة.


لكن سلسلة من التطورات الإقليمية والدولية دفعت اليابان خلال السنوات الماضية إلى إعادة النظر في هذا الترتيب، بعدما بدأت تشعر بأن الاعتماد الكامل على القوة الأميركية قد لا يكون كافياً لحماية مصالحها.


ففي عام 2010، أظهرت أزمة جزر سينكاكو، التي تسميها الصين جزر دياويو، استعداد بكين لاستخدام سلاسل الإمداد الاقتصادية أداة للضغط السياسي، بعدما فرضت قيوداً غير رسمية على صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان.


وبمرور الوقت، ازدادت هذه المخاوف نتيجة تطورات أخرى، من بينها توسع الصين العسكري في بحر الصين الجنوبي، ثم الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الذي أكد لطوكيو أن القوى الكبرى قد تلجأ إلى القوة العسكرية لإعادة رسم الحدود.


كذلك، أثارت المناورات العسكرية الصينية الواسعة حول تايوان، عقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة نانسي بيلوسي إلى الجزيرة في 2022، قلقاً متزايداً في اليابان، التي باتت ترى أن اندلاع صراع في مضيق تايوان احتمال واقعي وليس مجرد سيناريو بعيد.


وفي هذا السياق، تبنت اليابان منذ عام 2016 استراتيجية "المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة"، التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الواقعة على امتداد المنطقتين، على أساس سيادة القانون وحرية الملاحة والتجارة.


وضمن هذه الاستراتيجية، تعاونت طوكيو مع واشنطن لإعادة إحياء مجموعة "كواد"، التي تضم اليابان والولايات المتحدة وأستراليا والهند، بهدف تعزيز التعاون الأمني ومراقبة الأنشطة البحرية غير القانونية وحماية البنية التحتية الحيوية، ومنها الكابلات البحرية.


وفي الوقت نفسه، وسعت اليابان نطاق التعاون العسكري المباشر مع دول أخرى، إذ وقعت منذ عام 2022 اتفاقيات وصول متبادل مع أستراليا والفلبين والمملكة المتحدة، تسمح للقوات العسكرية بالتدرب والعمل في أراضي الدول الموقعة.


ولم يتوقف الأمر عند الاتفاقيات، فقد أرسلت اليابان في وقت سابق من العام الجاري نحو 1400 جندي للمشاركة، للمرة الأولى، في أدوار قتالية ضمن المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة والفلبين.


وخلال تلك المناورات، أطلقت القوات اليابانية صاروخاً مضاداً للسفن من الأراضي الفلبينية، في خطوة غير مسبوقة خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ما عكس اتساع الدور العسكري الذي باتت طوكيو مستعدة للاضطلاع به.


كما بدأت مسألة تعديل المادة التاسعة من الدستور الياباني، التي تنص على التخلي عن الحرب وتحظر امتلاك قوة عسكرية تقليدية، تظهر بصورة أكثر وضوحاً في النقاش السياسي الياباني.


إلى جانب ذلك، بدأت اليابان في تحويل قدراتها الصناعية والتكنولوجية إلى عنصر أساسي في شراكاتها الأمنية مع حلفائها.


فهي تطور مقاتلة من الجيل السادس بالتعاون مع إيطاليا والمملكة المتحدة، كما أطلقت عام 2023 برنامجاً للمساعدة الأمنية يهدف إلى توفير معدات وبنية تحتية عسكرية للدول الشريكة.


وقدمت طوكيو، في إطار هذا البرنامج، أنظمة رادار ساحلية وزوارق دورية إلى الفلبين لمساعدتها في مراقبة الأنشطة الصينية في بحر الصين الجنوبي.


وفي عام 2026، رفعت اليابان حظرها الممتد لعقود على تصدير الأسلحة الفتاكة، كما وافقت على بناء ثلاث فرقاطات لصالح أستراليا، إلى جانب المشاركة في إنتاج 8 فرقاطات أخرى.


ويعكس هذا المسار انتقال اليابان من دور الدولة التي تعتمد بصورة أساسية على الحماية الأمريكية إلى شريك أمني أكثر نشاطاً، من دون أن يعني ذلك التخلي عن التحالف مع واشنطن.


وفي ملف تايوان تحديداً، أظهرت اليابان استعداداً أكبر للمشاركة في جهود الردع التي تقودها الولايات المتحدة لمنع اندلاع صراع في مضيق تايوان.


ففي تشرين الثاني الماضي، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إن فرض الصين حصاراً على تايوان يمكن أن يشكل "وضعاً يهدد بقاء اليابان"، وهو توصيف قانوني قد يسمح لطوكيو بممارسة حق الدفاع الجماعي والرد عسكرياً.


وتستند المخاوف اليابانية إلى عامل جغرافي واضح، إذ لا تبعد جزيرة يوناغوني اليابانية، الواقعة في أقصى غرب البلاد، سوى نحو 70 ميلاً عن تايوان.


وزادت المخاوف بعدما سقطت صواريخ صينية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان خلال المناورات التي أجرتها بكين عقب زيارة بيلوسي إلى تايوان عام 2022.


ولتعزيز قدرتها على التعامل مع أي أزمة محتملة، طورت اليابان بنيتها التحتية العسكرية في جزر ريوكيو القريبة من تايوان، كما عبرت سفن البحرية اليابانية مضيق تايوان للمرة الأولى عام 2024.


وفي الإطار ذاته، اشترت طوكيو 400 صاروخ كروز من طراز "توماهوك" من الولايات المتحدة، كما أنشأت عام 2025 قيادة عمليات مشتركة دائمة لتنسيق القوات البرية والبحرية والجوية والقدرات السيبرانية.


ومن شأن هذه الخطوة أن تسهل التنسيق المباشر مع القوات الأمريكية، وتمنح اليابان قدرة أكبر على التحرك المشترك في حال وقوع أزمة إقليمية.


ومع ذلك، ترى "فورين أفيرز" أن واشنطن لم تُظهر حتى الآن دعماً علنياً كافياً للتحول الذي تشهده اليابان.


ففي تشرين الثاني 2025، أثارت تصريحات تاكايتشي بشأن الدفاع عن تايوان رد فعل قوياً من بكين، التي أطلقت حملة ضغط على طوكيو شملت تقليص إمدادات المعادن الأرضية النادرة الثقيلة وتعليق واردات المأكولات البحرية اليابانية.


ورغم توافق تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية إلى حد كبير مع التوجهات الأمريكية تجاه أمن تايوان، لم تقدم واشنطن، وفق المقال، دعماً علنياً قوياً لها في مواجهة الضغوط الصينية.


ثم جاءت خطوة أخرى أثارت علامات استفهام في طوكيو، عندما أبلغت واشنطن اليابان في أيار 2026 بتأجيل تسليم صواريخ "توماهوك" التي اشترتها قبل أكثر من عامين، بسبب تداعيات الحرب في إيران.


وفي آب، نقلت الولايات المتحدة مؤقتاً حاملة الطائرات الوحيدة المنتشرة بشكل دائم خارج أراضيها من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ما أضاف إلى المخاوف بشأن مستوى الالتزام العسكري الأميركي في المنطقة.


ولم تقتصر الإشارات المقلقة على اليابان، إذ قلصت واشنطن أو ألغت بعض المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، كما أوقفت صفقة أسلحة كبيرة مع تايوان.


كذلك، لم يذكر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث تايوان في كلمته أمام حوار شانغريلا في سنغافورة خلال أيار، في سابقة لم تحدث في مثل هذه الكلمات خلال عقد، وفق المقال.


وترى بعض الشخصيات داخل الإدارة الأميركية أن هذه الخطوات تهدف إلى تجنب استفزاز الصين بصورة غير ضرورية، لكن المقال يحذر من أن الرسائل السياسية والعسكرية تكتسب أهمية خاصة في ظل سعي بكين إلى الاستفادة من أي مؤشرات على تراجع الدور الأميركي.


وفي الوقت الحالي، لا تزال اليابان ملتزمة بتحالفها مع الولايات المتحدة، كما تواصل الاستثمار في تعزيز هذه العلاقة.


غير أن استمرار هذا المسار، بحسب "فورين أفيرز"، لا ينبغي أن يدفع واشنطن إلى الاطمئنان، لأن التحالفات لا تستمر بالضرورة بصورة تلقائية، وقد يؤدي استمرار حالة عدم اليقين إلى إعادة طوكيو حساباتها الاستراتيجية.


وفي حال قدمت واشنطن تنازلات كبيرة لبكين بشأن تايوان، أو سحبت قواتها من كوريا الجنوبية، أو امتنعت عن الدفاع عن الفلبين خلال مواجهة في بحر الصين الجنوبي، فقد تضطر اليابان إلى إعادة النظر في اتجاه سياستها الخارجية.


وقد يدفع ذلك طوكيو إلى تعزيز علاقاتها مع دول لا تتوافق سياساتها بالضرورة مع المصالح الأميركية، إذ يمكن أن تسعى إلى تحسين العلاقات مع روسيا لتأمين احتياجاتها من الطاقة وتخفيف الضغوط على جبهتها الشمالية.


كما قد تحاول اليابان توسيع علاقاتها مع المجلس العسكري الحاكم في ميانمار بهدف الوصول إلى المعادن الحيوية، أو تبحث عن مصادر أخرى للطاقة، بما في ذلك النفط الإيراني.


والأكثر حساسية، وفق المقال، أن غياب القيادة الأميركية قد يدفع اليابان إلى تقليص دعمها لتايوان، ما قد يغير حسابات الأمن الإقليمي بصورة كبيرة.


أما السيناريو الأكثر حساسية، فيتمثل في احتمال فقدان اليابان ثقتها في قدرة الولايات المتحدة على توفير الردع النووي الممتد.


وفي هذه الحالة، قد تبدأ طوكيو في دراسة تطوير قدراتها النووية الخاصة، خصوصاً أن الصين وكوريا الشمالية وروسيا تمتلك ترسانات نووية كبيرة.


وإذا اتجهت اليابان بالفعل إلى امتلاك السلاح النووي، فقد تحذو كوريا الجنوبية الاتجاه نفسه، ما قد يؤدي إلى تغير جذري في البيئة الأمنية لشرق آسيا وزيادة مخاطر سباق التسلح النووي.


وفي موازاة ذلك، قد تبدأ اليابان في توسيع قدراتها العسكرية التقليدية بصورة أكبر، الأمر الذي يمكن أن يدفع الصين إلى تكثيف تحركاتها في بحر الصين الشرقي.


ومن شأن غياب الوساطة الأميركية أن يزيد كذلك احتمالات تراجع التعاون بين اليابان وكوريا الجنوبية، وهما دولتان ترتبط علاقاتهما بتاريخ طويل من التوترات السياسية.


ما الذي تستطيع واشنطن فعله؟

وترى "فورين أفيرز" أن بإمكان الولايات المتحدة اتخاذ خطوات عملية للاستفادة من التحول الياباني وتعزيز التحالف بين البلدين.


ويأتي في مقدمة هذه الخطوات توسيع التعاون في مجال إنتاج الأسلحة المتطورة، بما فيها الصواريخ الموجهة بدقة، وهو ما قد يساعد واشنطن على معالجة النقص في بعض الذخائر، ويدعم في الوقت نفسه الصناعات الدفاعية اليابانية.


وقد سبق للبلدين أن تعاونا في تصميم وإنتاج صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية، كما التزما بالعمل على الإنتاج المشترك لصواريخ اعتراضية وصواريخ جو-جو متوسطة المدى.


ويمكن لواشنطن أيضاً منح الشركات اليابانية تراخيص إضافية لإنتاج المكونات العسكرية داخل اليابان، بما يخفف الاختناقات التي تعاني منها سلاسل الإمداد الأمريكية.


كذلك، يمكن للبلدين تعزيز التكامل بين تخطيط العمليات العسكرية وتنفيذها، والاستفادة بصورة أكبر من الجزر اليابانية الجنوبية الغربية، ولا سيما جزر ريوكيو القريبة من تايوان.


ويقترح المقال إنشاء وجود عسكري أميركي بالتناوب في جزيرة إيشيغاكي، التي تضم بالفعل قاعدة لقوات الدفاع الذاتي البرية اليابانية ووحدة متنقلة للصواريخ المضادة للسفن.


وفي المجال الاستخباراتي، قطعت اليابان خطوات مهمة أيضاً، بعدما أنشأت عام 2026 مجلساً وطنياً للاستخبارات ومكتباً وطنياً للاستخبارات، وعملت مع شركات أميركية على إنشاء بنية تحتية سحابية بالغة السرية.


وقد يتيح ذلك للولايات المتحدة تطوير مسار لانضمام اليابان إلى شراكة "العيون الخمس" لتبادل المعلومات الاستخباراتية، ما يعزز قدرتها على الحصول على معلومات حساسة ويدعم التخطيط العملياتي المشترك.


أما اقتصادياً، فيمكن للبلدين التعاون بصورة أكبر في تأمين سلاسل الإمداد، ولا سيما في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة التي تهيمن الصين على جزء كبير من إنتاجها ومعالجتها.


ويمكن لمؤسسات تمويل التنمية في البلدين إنشاء صندوق مشترك للاستثمار في التعدين والتكرير وتصنيع المغناطيسات، بما يقلل الاعتماد على الصين في هذه القطاعات الاستراتيجية.

كما يمثل قطاع الطاقة مجالاً آخر للتعاون، إذ تستطيع اليابان الاستفادة من قدراتها المتقدمة في استيراد وتخزين الغاز الطبيعي المسال، بينما توسع الولايات المتحدة سوق صادراتها من الغاز.


ويمكن لطوكيو أن تصبح مركزاً لإعادة توزيع الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى كوريا الجنوبية وتايوان ودول جنوب شرق آسيا، بما يعزز أمن الطاقة لدى حلفاء واشنطن ويفتح في الوقت نفسه أسواقاً جديدة أمام الصادرات الأميركية.


وفي المحصلة، يضع التحول الياباني الولايات المتحدة أمام فرصة لتعزيز نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال شريك يملك قدرات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية متنامية.


لكن استمرار هذا المسار يتطلب، بحسب المقال، أن تقدم واشنطن إشارات واضحة إلى طوكيو بشأن التزامها بالتحالف، وأن تدعم بصورة عملية توسع التعاون العسكري والاقتصادي والاستخباراتي بين البلدين.


وتراهن اليابان حالياً على استمرار الشراكة مع الولايات المتحدة، إلا أن مستقبل هذا الرهان لا يعتمد على طوكيو وحدها. فواشنطن، وفق "فورين أفيرز"، أمام فرصة لتعزيز تحالفها مع اليابان، في وقت يمكن أن يؤدي فيه التردد أو الغموض إلى إضعاف التحالف وتغيير موازين القوة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration