إيطاليا والمشرق: الجذور المنسيّة لعلاقةٍ عابرة للقرون (1/2)

1 تشرين الأول 2026 الساعة 00:00
إيطاليا والمشرق: الجذور المنسيّة لعلاقةٍ عابرة للقرون (1/2)
A- A+

تمهيد: سؤالٌ فتحته روما

منذ أن قادني العمل إلى روما، وجدتُني أمام سؤالٍ لم يكن يشغلني من قبل: ما طبيعة العلاقة التي تربط إيطاليا بلبنان والمشرق؟ فالمدينة التي عملتُ فيها ليست عاصمةً لدولةٍ حديثة فحسب، بل هي طبقاتٌ من تاريخٍ تتقاطع فيه ضفّتا المتوسّط منذ ألفَي عام ونيّف. ومن رحم هذا السؤال وُلد هذا المقال.

والبحر المتوسّط، الذي نحسبه أحيانًا حدًّا يفصل، كان في حقيقته طريقًا يصل؛ وعبره انتقلت البضائع والكتب والأفكار والألسن، ذهابًا وإيابًا، قرونًا قبل أن ترسم الدول الحديثة حدودها وتوزّع أنسابها الثقافيّة. غير أنّ الصلة بين إيطاليا والمشرق ظلّت في الظلّ، إمّا لأنّها اختُزلت أحيانًا في صورةٍ بطوليّة، وإمّا لأنّها غابت تحت وطأة النفوذ الفرنسيّ ثمّ الأميركيّ الذي تلاها.

جذورٌ أعمق: ملاحظةٌ لا بدّ منها

للعلاقة بين شبه الجزيرة الإيطاليّة والمشرق جذورٌ سابقةٌ بقرون، شديدة التشعّب، تستحقّ دراسةً مستقلّة لا تتّسع لها هذه الورقة. فمن الحروب البونيّة بين روما وقرطاجة (264–146 ق.م) خرجت حملة القائد القرطاجيّ هنيبعل (247–183 ق.م)، الذي عبر بجيشه جبال البيرينيه ثمّ الألب إلى قلب إيطاليا، وأنزل بروما هزائم فاصلة كان أعظمها معركة كانّاي سنة 216 ق.م. ومع ذلك لم يزحف على روما، فاستعادت المدينة أنفاسها وحسمت الحرب في معركة زاما قرب قرطاجة سنة 202 ق.م، ثمّ دمّرت قرطاجة سنة 146 ق.م. ولمفارقةٍ دالّة، ختم هنيبعل حياته في المشرق لاجئًا إلى بلاط الملك السوري السلّوقي أنطيوخوس الثالث محرِّضًا إيّاه على روما، قبل أن يموت منتحراً بالسمّ في بيثينيا (شمال غرب الأناضول - تركيا الحاليّة، على بحر مرمرة) سنة 183 ق.م — فكأنّ خصم روما الأوّل أنهى عمره على أبواب الشرق.

ثمّ توجّهت روما شرقًا، كما كان هنيبعل قد حذّر أنطيوخوس من أطماع روما، فأخضعت بلاد الإغريق (سقوط كورنثوس 146 ق.م)، وآسيا الصغرى (إرث برغامون 133 ق.م)، وأسقطت الدولة السلوقيّة وأنطاكية على يد بومبيوس سنة 64 ق.م، ثمّ ضمّت مصر سنة 30 ق.م، وحكمت المشرق قرونًا طويلة. وخلال هذه القرون جرى تفاعلٌ عميق بين الثقافة المحلّيّة الآراميّة–السريانيّة والحضارة الرومانيّة: في العمران (معبد بعلبك/هليوبوليس، ومدينة تدمر)، وفي البشر (المهندس الدمشقيّ أبولودوروس، مهندس منتدى تراجان وعموده الشهير). بل بلغ التداخل أن ارتقى إلى سُدّة كنيسة روما عددٌ من الأساقفة من أصلٍ سوريّ، أبرزهم في أواخر القرن السابع ومطلع الثامن: يوحنّا الخامس، وسيزينيوس، وقنسطنطين، وغريغوريوس الثالث. أمّا سهول البقاع وسوريا فكانت أرضًا زراعيّة خصبة ومستعمراتٍ رومانيّة عامرة؛ غير أنّ أهراء روما الكبرى الموثّقة كانت مصر وشمال إفريقيا لا المشرق. وتجدّد هذا التفاعل لاحقًا في زمن الحروب الصليبيّة (القرنان الحادي عشر والثالث عشر)، حين أقامت الجمهوريّات البحريّة الإيطاليّة — جنوة وبيزا والبندقيّة — أحياءها التجاريّة في موانئ صور وعكّا وطرابلس وبيروت.

هذه الحقبة الطويلة إشكاليّةٌ وغنيّة، وهي جديرةٌ بمقالٍ متخصّصٍ قائمٍ بذاته سنكتبه لاحقًا. ولذلك يقتصر هذا المقال على مرحلةٍ أوضح معالمَ وأقرب أثرًا: من القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين. وفيها يمكن تمييز أربع قنواتٍ تفاعلت بها إيطاليا مع المشرق: قناةٌ كنسيّة مركزها روما والموارنة، ثمّ حادثة الأمير فخر الدين والمديتشي، فقناةٌ تجاريّة بحريّة، فحضور الدولة الإيطاليّة الموحّدة.

القناة الأولى: روما والكنيسة المارونيّة

كانت أعمق الصلات وأطولها نفَسًا صلةً كنسيّةً فكريّة، طريقها روما. فمنذ مجمع فلورنسا (1439) وبعثة الراهب الفرنسيسكانيّ جبرائيل من فيرونا في القرن الخامس عشر، أخذت العلاقة بين الكنيسة المارونيّة والكرسيّ الرسوليّ تتوثّق، إلى أن بلغت منعطفها الحاسم سنة 1584، حين أسّس البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونيّة في روما (Collegio dei Maroniti) [7]. وكان أثرها أكبر بما لا يُقاس من حجمها، إذ صارت جسرًا فكريًّا ذا اتّجاهين.

فمنها خرج علماءٌ موارنة حملوا العربيّة والسريانيّة إلى قلب أوروبا، وصاروا من روّاد الاستشراق الأوائل: جبرائيل الصهيونيّ (Gabriel Sionita) وإبراهيم الحاقلانيّ (Abraham Ecchellensis)، اللذان أسهما في «الكتاب المقدّس متعدّد الألسن» الباريسيّ سنة 1645؛ ثمّ آل السمعانيّ، وعلى رأسهم يوسف سمعان السمعانيّ (J. S. Assemani) أمين مكتبة الفاتيكان وصاحب «المكتبة الشرقيّة» التي أرست علم السريانيّات الحديث. وقد درّس هؤلاء لغات الشرق في جامعات روما وباريس، وفهرسوا مخطوطاته في خزائن أوروبا؛ وعادت على أيديهم وأيدي تلامذتهم معارف أوروبا وكتبها وأساليب تعليمها ومطابعها إلى لبنان.

وبلغت هذه القناة ذروتها المؤسّسيّة في المجمع اللبنانيّ المنعقد في دير سيّدة اللويزة سنة 1736. ترأّسه البطريرك يوسف درغم الخازن، وأداره فعليًّا الموفد الباباويّ يوسف السمعانيّ نفسه. ولم يكن مجمعًا لاهوتيًّا فحسب: فقد رتّب الأبرشيّات ورسم حدودها، وضبط سيرة الإكليروس، وأصلح الرهبنة. وأهمّ ما فيه، من زاوية التنمية، بندٌ تربويّ صريح دعا إلى إنشاء مدرسةٍ في كلّ قرية، وإلى تعليم البنات كما البنين. ومن هذا المعين تدفّق جيلٌ من المتعلّمين، تُوّج لاحقًا سنة 1789 بمدرسة عين ورقة التي دُعيت «سوربون الشرق»، ومنها تخرّجت نخبة القرن التاسع عشر الفكريّة.

من التمايز إلى الطائفة المكتملة: لم يكن مجمع اللويزة إصلاحًا إداريًّا فحسب؛ فقد طبّق على الموارنة منظومة مجمع تْرِنتو (Trent) الكاثوليكيّة بحذافيرها: اعتماد التعليم المسيحيّ الرومانيّ (Catechismus Romanus)، وإدراج اسم البابا في القدّاس، والمعموديّة بالسكب، والقربان بالفطير على الطريقة اللاتينيّة، وإضافة «الانبثاق من الابن» (Filioque) إلى قانون الإيمان. وهذه «اللَّتْيَنة» رسّخت حدودًا فاصلة بين الموارنة وسائر كنائس المشرق. ومن هذه المنظومة التريدنتينيّة جاء مبدأ الفصل عن «المنشقّين» (الأرثوذكس) و«الهراطقة» في العبادة والأسرار (communicatio in sacris). غير أنّ هذا المنع كان القاعدة الكاثوليكيّة العامّة في ذلك العصر، تفرضها روما على الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة كافّة، لا ابتكارًا مارونيًّا خاصًّا.

وجاء المجمع تتويجًا لصورةٍ أقدم عن الذات، هي عقيدة «الاستقامة الدائمة» (perpetua orthodoxia) التي صاغها جبرائيل ابن القلاعي (ت 1516) ثمّ البطريرك إسطفان الدويهي (1630–1704): أنّ الموارنة لم يقعوا قطّ في هرطقةٍ أو انشقاق، وأنّهم على الدوام في شركةٍ مع روما. أمّا استعارة «الوردة بين الأشواك»، فهي — خلافًا للشائع — ليست من نصوص المجمع، بل تُنسب إلى البابا لاون العاشر في وصفه الكنيسة المارونيّة نحو سنة 1515، وأصلها كتابيّ. وبتحويله هذه الصورة إلى بنيةٍ مؤسّسيّة — أبرشيّاتٍ محدّدة، وإكليروسٍ مقيم، وتعليمٍ موحّد — نقل المجمعُ ادّعاء التميّز إلى طائفةٍ مكتملة الحدود، وهو ما يسمّيه الباحثون «بلورة الهويّة الطائفيّة» (confessionnalisation).

القناة الثانية: فخر الدين والمديتشي

في مطلع القرن السابع عشر برزت حادثةٌ لافتة في العلاقة بين المشرق وإيطاليا: صلة الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني بأسرة مديتشي حكّام توسكانا. وقد جاء هذا في سياقٍ أوسع: فقد كانت توسكانا في عهد الدوق الأكبر فرديناندو الأوّل دي مديتشي (Ferdinando I de' Medici) قد تحالفت أوّلًا مع علي جانبولاد (Ali Janbulad)، الوالي المتمرّد على العثمانيّين في حلب (1606–1607)، وكان فخر الدين حليفًا عسكريًّا له في مواجهة آل سيفا في شمال لبنان. فلمّا سحق العثمانيّون قوّات جانبولاد في سهل العمق سنة 1607، تحوّلت أنظار توسكانا إلى فخر الدين، فعقد معها سنة 1608 تحالفه الخاصّ الذي جمع بين مصلحةٍ تجاريّة ومشروعٍ مناوئ للعثمانيّين — مساعدةٍ عسكريّة ودعمٍ من الإكليروس المارونيّ في وجه آل سيفا، لقاء إسناده حملةً توسكانيّة مقبلة على القدس ودمشق.

ولم يكن اختيار توسكانا اعتباطًا: فقد جعل المديتشي من مرفأ ليفورنو (Livorno) ميناءً حرًّا مفتوحًا لتجّار الملل كلّها، وأنشأ أسطول فرسان القدّيس إسطفانوس الذي كان يناوش السفن العثمانيّة.

وتشير الوقائع الموثّقة إلى أنّه حين أطبق الحصار العثمانيّ بقيادة حافظ أحمد باشا على صيدا، غادر فخر الدين بحرًا في السادس عشر من أيلول 1613، وبلغ ليفورنو في الثالث من تشرين الثاني ، فأقام في فلورنسا ضيفًا على الدوق الأكبر كوزيمو الثاني (Cosimo II de' Medici)، ثمّ تنقّل بين صقلّيّة ونابولي تحت الرعاية الإسبانيّة، وعاد فنزل عكّا في التاسع والعشرين من أيلول 1618. وكانت إيطاليا يومئذٍ فسيفساء من إماراتٍ وجمهوريّات تظلّلها الهيمنة الإسبانيّة، لا دولةً واحدة.

وتُظهر الوثائق أنّ الأمير وسّع في عهده غراس التوت وصناعة الحرير، وربط موانئه بتجّار الإفرنج وقناصلهم، وشيّد سراياه التي ما تزال قائمة في دير القمر. أمّا ما يُنسب إليه أحيانًا من إدخال المطبعة إلى لبنان، فلا تسنده الوثائق المتوفّرة؛ إذ تعود أوّل مطبعةٍ سريانيّة في دير قزحيّا إلى سنة 1610 بمبادرةٍ مارونيّة–رومانيّة سابقةٍ لرحلته، فيما تأخّرت مطبعة عبد الله زاخر العربيّة في الشوير إلى سنة 1734. وأمّا صورته «أب للبنان الحديث»، فقد تبلورت في مرحلةٍ لاحقة: نمّتها في ثلاثينيّات القرن العشرين كتاباتٌ إيطاليّة رعتها الدولة الفاشيّة (أيّام موسوليني)، كما نمّتها الكتابة القوميّة اللبنانيّة؛ في حين تصوّره سجلّات الأرشيف العثمانيّ أميرًا محلّيًّا بارعًا ضمن نظامٍ إقطاعيّ عثمانيّ. وهذه ملاحظاتٌ تُذكر توثيقًا للوقائع، لا حكمًا على الرجل.

ملاحظة: تجدر الإشارة الى أن أسرة جانبولاد الحلبيّة (الكرديّة الأصل) هي — بحسب الرواية النسبيّة الشائعة — الجذر الذي انحدر منه آل جنبلاط الدروز في لبنان لاحقًا، بعد فشل تمرّد علي ولجوء أفرادٍ من الأسرة إلى الجبل.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration