تركيا: الشريك الذي لا تريده واشنطن قوياً جداً

1 تشرين الأول 2026 الساعة 00:00
تركيا: الشريك الذي لا تريده واشنطن قوياً جداً
A- A+

إيمان درنيقة الكمالي

في تشرين الثاني 2015، أسقطت مقاتلة F-16 تركية قاذفة روسية اخترقت مجالها الجوي لدقائق، لتنتظر أنقرة تضامن حلف شمال الأطلسي (الناتو). بدلاً من ذلك، سحبت واشنطن وبرلين بطاريات "باتريوت"، واكتفى الأمين العام للحلف آنذاك ينس ستولتنبرغ بالقول إن الحادثة لا تستدعي تفعيل المادة الخامسة.

هذه اللحظة تفسر شراء دولة عضو في الناتو لمنظومة S-400 الروسية للدفاع الجوي المتقدم بعد أربع سنوات. وتقرير مركز أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في 20 اب 2026 للباحثَيْن المتخصصَيْن جيم زانوتي (Jim Zanotti) وكلايتون توماس (Clayton Thomas)، يعود ليجيب عن التساؤل: هل انتهت مرحلة العقاب وبدأت مرحلة الاحتواء؟

يفرق منظّر العلاقات الدولية ستيفن والت (Stephen Walt) في كتابه "أصول التحالفات" بين التقارب الاستراتيجي طويل المدى والصفقة التكتيكية قصيرة المدى. بناء على ذلك، فإن علاقة تركيا بالغرب علاقة "استراتيجية"؛ تجسدها قاعدة "إنجرليك" والتبادل التجاري ومعايير الناتو، بينما علاقتها بروسيا هي تكتيكية لملء الفراغ جاءت بعد خذلان 2015؛ إذ احتاجت تركيا غازاً بعد أن لوح الروس بقطعه، واحتاجت غطاء في سوريا بعد أن دعمت واشنطن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني. إن صفقة S-400 ومشروع أكويو النووي ومشروع "ترك ستريم"، كلها صفقات لملء فراغ تركه الغرب وليست تغيير هوية، بدليل تراجعها فور عرض واشنطن صفقة غاز مسال ضخمة، وذلك على الرغم من أن تركيا كانت تستورد آنذاك 55% من غازها من روسيا و30% من إيران.

وهنا تتجلى مفارقة زبيغنيو بريجينسكي (Zbigniew Brzezinski)، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، الذي حدد في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" هدف منع ظهور أي قوة إقليمية مهيمنة في أوراسيا. فأمريكا لا تريد حلفاء ضعفاء، لكنها في الوقت نفسه ترفض الأقوياء الذين يفرضون أجندتهم. وتركيا اليوم تطبق هذه المفارقة بامتياز؛ ففي البحر الأسود، تملك تركيا مفتاح مضائق مونترو، وهي الوسيط الوحيد الموثوق بين موسكو وكييف في صفقات الحبوب وتبادل الأسرى. وفي سوريا، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أصبحت الضامن للحكومة السنية الجديدة، وانتهت حجة تنظيم داعش التي كانت تبرر دعم قسد. وفي غزة، أصبحت دولة ضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار ووسيطاً مع حركة الحماس. وإلى جانب ذلك، أعلن حزب العمال الكردستاني حل نفسه والدخول في مسار سياسي مع تشريعات جديدة في البرلمان، ما يعني أن تركيا حلت مشكلة إرهاب استمرت 40 عاماً.

تحتاج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذا الشرطي الإقليمي، لكن ضمن سقف محدد اسمه مقاتلات F-35 الشبحية.

فرغم أن تركيا لم تكن زبوناً، بل شريكاً تصنيعياً دفعت 1.4 مليار دولار وصنعت 900 قطعة، فقد رفضت واشنطن كل الحلول التي عرضتها أنقرة مثل عدم تشغيل المنظومة، أو تخزينها في قطر، أو بيعها لدولة ثالثة. هنا تظهر المفارقة، فالمانع الحقيقي ليس S-400، بل قانونان أمريكيان: قانون التفوق النوعي الإسرائيلي QME لعام 2010 الذي يلزم واشنطن بضمان تفوق إسرائيل الجوي ومنع حصول تركيا على الطائرة. وعلاوة على ذلك، فإن إسرائيل تضغط الآن لمنع بيع محركات F110 الأمريكية لمقاتلة KAAN التركية. بينما يبني القانون الثاني (بوابة شرق المتوسط) تحالفاً أمريكياً مع اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر ويستثني تركيا عمداً، حيث تحولت جزيرة كريت لقاعدة أمريكية، وستبدأ اليونان استلام 20 طائرة F-35 في 2028 بضغط من اللوبي اليوناني في الكونغرس. والرسالة واضحة: أمريكا تريد تركيا قوية في الملفات التي تخدمها كأوكرانيا وسوريا، وضعيفة في الملفات التي تنافس فيها حلفاءها كغزة وغاز شرق المتوسط.

لتجاوز هذه القيود، تحول رهان أنقرة من محاولة إرضاء واشنطن للحصول على F-35 إلى استراتيجية كسب الوقت: شراء مقاتلات F-16 محدثة كحل مؤقت، واقتناء طائرات "يوروفايتر"، والرهان النهائي على دخول مقاتلتها الوطنية KAAN الخدمة بين عامي 2030 و2032 لتصبح أول دولة في العالم الإسلامي تصنع مقاتلة من الجيل الخامس.

في الختام، تعلمت أمريكا أن تركيا لا يمكن أن تبقى على الهامش، فقد انتقلت من دولة تطلب الحماية في 2015 إلى دولة تدير الملفات في 2026. لكن إدارة الملفات لا تعني قيادتها؛ واشنطن تريدها مديراً لا قائداً، تريدها شريكاً استراتيجياً يبقى تحت جناحها لا منافساً استراتيجياً يفرض حلوله في غزة أو شرق المتوسط. رهان تركيا الآن ليس على واشنطن، بل على عام 2030؛ فعند دخول KAAN الخدمة، ستنتهي مفارقة القوة التابعة، لأن التابع سيصبح صانعاً.

ما زالت واشنطن تؤجل هذا اليوم بمنع محركات F110، لكنها لن تستطيع إلغاءه…

أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration