يعيش تيار «المستقبل» اليوم في دائرة الخطر الوجودي وفي مرحلة مفصلية لعلها الأصعب منذ تاريخ نشوئه في عهد الرئيس رفيق الحريري، الذي أطلق صفة المستقبل على تيّار حاول أن يجعله تجربة مميزة في تاريخ الحياة العامة ثم السياسية في لبنان، من خلال فكرة عبور الطوائف إلى مفهوم الدولة الجامعة بكل أطيافها. ولكن ما أبعد الأمس عن اليوم وكم تختلف رؤية المستقبل عند الحريري الأب، عما يعيشه اليوم الجمهور الأزرق وقياداته ورئيسه سعد الحريري ـ الحاضر الغائب - الذي حاول أن يمارس القيادة عن بعد، ولم يدرك أن الأمور يمكن أن تفلت من يديه خاصة في ظل تعدّد الأزمات التي تضربه سواء كانت مالية وسياسية وحتى أزمة... الولاء!
في هذا السياق تقول مصادر مراقبة لأداء التيار الأزرق، إن الأزمة المالية الخانقة التي يمرّ بها المستقبل بكل فروعه الإعلامية والمالية والإقتصادىة أصبحت في وضع مُحرج لم تعد تجدي معها كل وعود التهدئة والتطمين التي تُطلق من بعض المديرين الذين لا يستطيعون أن يقدّموا ضمانات بقرب حصول خرق في الأزمة المالية الخانقة، التي تضرب معظم مؤسسات الحريري منذ شهور وتحديدا المؤسسات الإعلامية في التلفزيون والجريدة حيث الرواتب مقطوعة منذ أكثر من 5 أشهر، كما أن الآمال بقرب دفع المستحقات المتأخرة قد تبدّدت منذ أيام بعدما تناهى لمسامع الموظفين ضرورة صرف النظر عن أي فرج مالي كان مقررّا نهاية العام الجاري، ما أحدث بلبلة واسعة في صفوف العاملين جعلهم يفكرون إما في الإعتكاف أوفي محاولة تنظيم بعض الوقفات الإحتجاجية من أجل إظهار التململ الحقيقي من الوضع المأساوي الذي وصلت اليها أوضاعهم الإقتصادية، وخاصة بعد توقف نظام السُلَف التي كانت تمُنح لهم بضمان إقتطاعها من رواتبهم لاحقا، أو من خلال توقف المصارف عن منحهم قروضاً لإدراكهم صعوبة التسديد نتيجة الوضع الصعب لمؤسسات «المستقبل»، هذا التعثر المالي ـ تتابع المصادر بالقول ـ كان احد أهم الأسباب التي أجلّت عودة سعد الحريري إلى لبنان، وليس فقط كما أشيع عن خطورة الوضع الأمني، حيث أُعطيت نصائح له بعدم جدوى مجيئه إلى لبنان بعد طول غياب وهو خالي الوفاض، وبالتالي إمكانية أن يؤثر ذلك في شعبيته التي أصبحت على المحك، وإحتمال ظهور الخلافات والإنقسامات في الداخل إلى العلن، وبالتالي يصبح غيابه أفضل عن الساحة اللبنانية بإنتظار ما يحمله المستقبل القريب من إحتمالات مفتوحة في كل الملفات.
المقرّبون من التيار الأزرق يخشون من تداعيات الأزمة المالية للحريري وعدم وجود أيّ حلّ يلوح في الأفق، على التماسك الداخلي لقيادات التيار في المناطق، اذ يلاحظ في بعض الأحيان ظهور «كانتونات سياسية» تحاول بعض القيادات «المستقبلية» إنشاءها من أجل سدّ الفراغ الناجم عن غياب رأس السلطة، وهو ما تجلّى «ضعضعة» في مركزية القرار بين بيت «الوسط» ومناطق صيدا وعكار والشمال، رغم الإنكار الإعلامي الذي تردّده قيادات المناطق، وهذا الوضع يطرح سؤالا ملحّا حول المرجعية الداخلية والعربية لتيار «المستقبل» وللطائفة السّنية في ظل الوضع الدقيق حيث تتخندق كلّ طائفة في لبنان خلف زعيم أو دولة ترعى مصالحها وتؤمن لها الحماية؟
أوساط سياسية سنّية تقول إنه من المستحيل أن تتخلّى المملكة العربية السعودية عن الطائفة السّنية في لبنان وهي التي إحتضنتها على مدى أكثر من 35 عاما وبذلت لها الكثير، وكلّ ما يقال عن شحّ في الموارد المالية أو دعم لتيار المستقبل سببه الأعباء الكبيرة التي ترزح تحتها المملكة سواء في سوريا أو اليمن، لكنّ هذه الأزمة سوف لن تطول في ظل ما يُحكى عن قرب فرص التسوية بما يخصّ الأزمة السورية ومن جهة ثانية كلام المملكة عن قرب إنتهاء عاصفة «الحزم «في اليمن بعدما «حققت» نتائجها، وبالتالي هذا قد ينعكس إيجابا على إعادة ضخّ الأموال في صناديق تيار «المستقبل» والمساهمة في فكّ أزمته الخانقة.
في المقابل ترى أوساط مُعارضة لهذا الطرح، ان أزمة الحريري المالية ليست مرتبطة فقط بتقليص النفقات المَلَكية نتيجة الضغوط والأعباء الكبيرة في اليمن وسوريا حيث سرّبت بعض المصادر المصرفية عن إتجاه المملكة لسحب بعض الأرصدة المالية من موجوداتها في البنوك اللبنانية، بل الأمر يتعلق بثقة المملكة بشخص سعد الحريري وقدرته على قيادة الطائفة السّنية بمواجهة تماسك وقوة الطوائف الأخرى وتحديدا الطائفة الشيعية التي تحظى بسند ودعم مادي وشعبي داخليا وخارجيا، وبالتالي يصبح خيار البحث عن شخصية بديلة يمكن فيها «مقارعة» الأقوياء أمر واردا في حسابات المملكة، ولعل هذا ما دغدغ مشاعر بعض القيادات «المستقبلية» وكان سببا في الترويج لخطاب طائفي عالي النبرة يتماهى مع بعض الأصوات التي تفضّلها المملكة في سياق المواجهة المفتوحة التي تخوضها على إمتداد البلدان العربية، وتتابع هذه المصادر بالقول، وإنطلاقا من هذه الرؤية تبدو قصة إنفراج الأزمة المالية لسعد الحريري غير واردة حاليا، لأن كل المعلومات تشير إلى ان التعثر في دفع رواتب الموظفين في فرعي شركة «أوجيه» لبنان والسعودية على مدى شهور طويلة وبلوغ الشركة درجة إعلان الإفلاس من دون ان تحرّك المملكة ساكنا، مع إدراكها تأثير هذا الأمر في شعبية سعد الحريري ضمن طائفته وفي تيار المستقبل كلها دلالات على عدمنية الحكم السعودي الحالي باحتضان سعد الحريري كما كان وضع رفيق الحريري وتعويمه كزعيم في طائفته، بل على العكس يبدو واضحا أن الحصار المالي المفروض عليه عبر تأخّر المملكة في دفع المستحقات المترتبة عليها لشركة سعودي «أوجيه» نتيجة تنفيذ بعض المشاريع التي أوكلت بها، يمكن أن يفسّره البعض بأنه «عِقاب «سعودي على «الإبن الضّال» الذي تطاول على أمراء المملكة الجدد، والذي لم تشفع له كل الإعتذارات والوساطات و«الحروب التويترية «التي خاضها ضد خصوم المملكة، وبالنتيجة يكون الحريري والطائفة السّنية في وضع لا يُحسد عليه، خاصة إذا ما إنكشف الغطاء السعودي عنها ماديّا ومعنويا، حيث لم تجد لغاية الأن كلّ المُناشدات التي أطلقتها فعاليات سّنية ونداءات «إستغاثة «للمملكة حول ضرورة «إحتضانهم «وبأنها المرجعية المتبقية لديهم في العالم العربي، وقد وُضع هذا الكلام في خانة الإستغراب والدهشة بعد الإحتفالات وإطلاق النار الذي عمّ بعض المناطق السّنية في الجنوب وطرابلس بعد فوز أردوغان في الجولة الثانية من الإنتخابات التشريعية في تركيا ويفتح باب التساؤل حول إمكانية أن تتحول مرجعية السّنة في لبنان من السُعودية إلى تركيا أو حتى قطر بعد إنشغال المملكة بشؤونها، أم تلتفت الأخيرة إلى «وديعتها» اللبنانية وتعود أيام «العزّ» المادي والمعنوي ويُنقذ إرث رفيق الحريري من الإفلاس المالي والسياسي؟