تجتاز الساحة الداخلية مرحلة في غاية الدقة، في ظل حبس أنفاس لما ستؤول إليه الساعات المقبلة، والتي ستكون حاسمة على صعيد التأليف أو الإعتذار بعدما وصلت الأمور إلى حافة الإنفجار الطائفي والمذهبي، وسط معمعة سياسية لا مثيل لها، خصوصاً أن المعلومات المؤكدة التي نقلها أحد السياسيين العائدين من الخارج، تشير إلى أن تشكيل الحكومة بات قريباً جداً، في ظل أجواء عن اتصالات ومشاورات جرت على أعلى المستويات بعيداً عن الأضواء، وذلك من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي كان حاسماً عند محادثته بعض القيادات السياسية اللبنانية، بما معناه أنه على الجميع الإختيار بين تشكيل الحكومة أو ترك لبنان للقَدَر السياسي، دون أن تقدم أي دولة على مدّ يد العون له، وأنه لمس إصراراً دولياً بعد المباحثات التي أجراها مع نظرائه الغربيين بأنهم لن يقدموا على دعم لبنان لجملة اعتبارات.

ليس في الأفق ما يوحي بأن المسؤولين اللبنانيين راغبون في الإصلاح وإنقاذ بلدهم، بينما ينقل عن جهات عليمة، بأن تقاطع اتصالات حصل نهاية الأسبوع المنصرم، ساهم إلى حد كبير في حلحلة المواقف وتحديداً من قبل مصر، بعدما تولى وزير خارجيتها سامح شكري هذه الإتصالات مع بعض القيادات اللبنانية، إضافة إلى تواصل بين مستشار الرئيس إيمانويل ماكرون السفير إيمانويل بون مع المسؤولين الإيرانيين، والأمر عينه على خط السفير الفرنسي في لبنان برنارد فوشيه ومسؤولين من حزب الله وبعض الأطراف الأخرى، ما عجّل في إنضاج الحل الذي من المتوقع أن يبصر النور في أقرب وقت ممكن، وذلك سيكون بمثابة الفرصة الأخيرة، لا سيما وأن الرئيس المكلّف مصطفى أديب ألمح بأنه لن يقدم على الإعتذار بعدما تبلّغ معطيات إيجابية، ولكن، وفي حال حصول أي تعثر، فإن اعتذاره سيكون فورياً بالتكافل والتضامن والتنسيق التام مع المسؤولين الفرنسيين.

وفي السياق نفسه، علم أن حل إعطاء حقيبة المال للطائفة الشيعية قد بات شبه محسوم، إنما ثمة من يشير إلى توافق ضمني، أو أن «خلطة سرية» باتت في متناول المعنيين، وهنا يقال وفق ما تم تسريبه من معلومات، أن تعود المداورة لهذه الحقيبة وسواها في الحكومات المقبلة بناء على وعود قُطعت للرئيس الفرنسي، إضافة إلى أن يكون من سيتولى هذه الحقيبة غير حزبي ولا ينتمي لأي حزب أو تيار، بل يحظى بقبول من «الثنائي الشيعي»، ولا يشكل إزعاجاً أو تحدّياً للأطراف الأخرى.

لذا السؤال عما إذا سيكون هذا المخرج مقدّمة لإنضاج الحل، ومن ثم الشروع في إعلان مراسيم تأليف الحكومة؟ أم أن مفاجآت وعثرات أخرى قد تحصل، نظراً للإشتباك الإقليمي في الداخل اللبناني بعد العقوبات الأميركية على إيران، ومن ثم تفاعل الأعمال العسكرية في العراق، فكل هذه الأجواء المحمومة إقليمياً من شأنها أن تعرقل أي مشروع تأليف للحكومة، لذلك فإن الضمانات لا تحصل في الداخل اللبناني بل تُفرَض من قبل الأطراف أو القوى الإقليمية أو الدولية ومن قبل هذا المحور الدولي أو ذاك، بينما ثمة من يرى أن الولايات المتحدة الأميركية تقوم بمراقبة لصيقة لكل ما يحصل على الساحة اللبنانية، وهي وعدت الفرنسيين بدعمهم لإنقاذ لبنان، ولكن عملية الدعم هذه ستنحصر بأن يكون للبنان حكومة إصلاح، وأن تبقي الإدارة الأميركية العقوبات على بعض المكوّنات اللبنانية مفتوحة، وهذا ما يرى البعض أنه يدخل في سياق المصالح الإنتخابية الأميركية، ودون ذلك فالأمور تتّجه نحو الفصل والحسم، وإلا فإن البلد سيدخل في المجهول إذا لم يكن للبنان حكومة هذا الأسبوع بعدما أعطي الرئيس المكلّف مهلة إضافية من أجل حلحلة العقد وفتح الطريق نحو حكومة إصلاحية ومقبولة من المجتمع الدولي.