هل الرئيس الاسبق للحكومة سعد الحريري «مراهق» في السياسة؟ لماذا يختار دوما ممارسة الاعيب اكبر من دوره ويسمح للاخرين بمنحه دور «الزوج المخدوع» ثم يجبر على الخروج من «المسرح» لابسا رداء المضحي، ومتجرعا «السم»؟ هل من عاقل يمكن ان يصدق ان الحريري قام بمفرده «بدعسة» ناقصة عبر محاولته فرض شروطه على «الثنائي الشيعي»، فقام بمناورة «فاشلة»، ثم قرر «بصحوة» ضمير ان يتراجع «خطوة الى الوراء» افساحا في المجال لتسوية تنقذ المبادرة الفرنسية من السقوط؟ كيف يمكن لهذا الرجل المستبعد من قبل حلفائه السعوديين، والمغضوب عليه اميركيا، ان يواصل السماح باستغلاله على هذا النحو؟ ما هذا «الهراء» «والخفة» في التعامل مع لحظات مصيرية تمر بها البلاد؟ وكيف يمكن تفسير هذا «الانقلاب» والتارجح في المواقف فوق «جثة» دولة منتهية الصلاحية بعدما عاثت فيها الطبقة السياسية فسادا؟ ولكن هل يمكن تحميل الحريري وحده مسؤولية هذا «اللعبة» القاتلة؟

طبعا لا يتحمل الحريري وحده المسؤولية، لكن برأي اوساط سياسية بارزة، يبقى السؤال لماذا اختار هذه المرة ان يكون «رأس حربة» معركة خاسرة لا يملك بين يديه اوراق النجاح فيها؟ واذا كان رؤوساء الحكومات السابقة لا يملكون ما يخسروه، فلماذا يضحي بما تبقى له من «ماء وجه» سياسي في بيئته ولدى الاخرين؟ والانكى من كل ذلك ان «الذئاب» الحقيقيين جلسوا يتفرجون ، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اختارالنائب السابق وليد جنبلاط الجلوس فوق «التل» واختار «النأي» بنفسه عن الصراع، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع اختار «الانكفاء»، مطلقا مواقف «خلبية» تستهدف «الثنائي الشيعي»، دون النزول الى «ساحة» المعركة، فيما تراجع التيار الوطني الحر «خطوة» الى الوراء مدعيا العفة بغطاء رئاسي...

وهنا يكمن السؤال الاحجية حول الحكمة في ان يتصدر الحريري المشهد وخوض غمار مماحكة سياسية كانت اولى خسائرها انتهاء «شهر العسل» مع رئيس مجلس النواب نبيه بري المحرج جدا جدا بعدما حسبها «غلط» وضحى، دون الاخذ برأي حلفائه، بحكومة حسان دياب كمقدمة لاستعادة الشراكة مع الحريري الذي اتى الى عين التينة في زيارته الاخيرة بوجه جديد غير مألوف، ولم تنجح عمته النائبة بهية الحريري في ايجاد تفسير مقنع له رغم اسهابها امام بري في تقديم اسباب تخفيفية لنجل اخيها «المرهق» سياسيا وماليا..

وتلفت تلك الاوساط، الى ان الحريري وقع هذه المرة «ضحية» رهان، ووعد، اكتشف متاخرا عدم صوابيتهما، الوعد، ورطه فيه بعض مستشاريه الذين ينسقون مع «خلية» الازمة الفرنسية التي يغالي بعض افرادها في فهم طبيعة وقدرة الدور الفرنسي على الساحة اللبنانية، ووفقا لرواية هؤلاء،ثمة تخبط داخل «الخلية»، وهناك تمايز واضح بين الخارجية الفرنسية، الاكثر تشددا مع حزب الله، و«الايليزيه»، دفع ثمنه الحريري الذي تم اخباره من قبل احد المسؤولين الفرنسيين بالنجاح في «تحييد» رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل عن «المعركة» بعد رفع «عصا» العقوبات الاميركية، «بغض نظر فرنسي»، جرى اغرائه بلعب دور محوري لتدفيع حزب الله ثمنا سياسيا، بات متاحا اليوم في ظل «العزلة» القائمة حوله بعد تقدير «واهم» بتراجع الرئيس بري «خطوة الى الوراء» بعد العقوبات على الوزير علي حسن خليل، ورفض التيار الوطني الحر في الاساس منحه وزارة المال..وكان الحريري يظن ان «الوشوشة» الفرنسية جزء من خطة لدى الرئاسة وهي ستمضي بها الى خط النهاية، ولن يتم التراجع عنها الا بتنازل حزب الله، وهو حاول اخبار بري بضرورة التماشي مع هذا الطرح، وفوجىء بعدم وجود ليونة في موقفه فرفع من سقف التحدي معه باعتباره مخولاً بنقل «الرسالة» فرنسيا..

لكن الحريري اكتشف في وقت لاحق انه ضحية «مناورة» محدودة في الزمان والمكان، وعندما ابلغه الفرنسيون رسميا ان الدور التعطيلي انتهى، وحان الوقت للتراجع، بعدما وصلت الخطة الفرنسية الى موقف حرج، فوجىء بالامر، وكانت الصدمة حين ارسل اليه بيرنار ايميه نص المبادرة التي ادعى الحريري انها من «عندياته»، وبعدما وافق عليها جرى اتصال مقتضب بينه وبين ماكرون..

وفي هذا السياق، تلفت تلك الاوساط الى ان الحريري يدرك حراجة موقفه الراهن، فهو سبق وابلغ ايميه انه يخشى العقوبات الاميركية، ولا يمكنه التنازل عن موقف سيكون له تداعيات سياسية خطيرة عليه، لكن الدبلوماسي الفرنسي طالبه بالتراجع عن تشدده لان الرئيس الفرنسي «غاضب»،ولم يعد يفهم اسباب هذه الشروط التي لم تكن في اطار مباردته..

ووفقا لتلك الاوساط، لم يحصل التراجع من قبل الحريري فقط لاسباب تتعلق برهانات خاطئة على تيار فرنسي يقف على «يمين» الرئيس ماكرون، لكن لانه انتظر كثيرا دون اي نتيجة رهانات داخلية وخارجية باعادة انتظام علاقته مع المملكة العربية السعودية،والولايات المتحدة الاميركية، لكن اياً من هذه الرهانات لم تتحقق، وهو بقي منتظرا الى جانب هاتفه بانتظار اتصال من «طويل العمر» لتهنئته على موقفه الصلب، ولكن الهاتف بقي صامتا، فيما بقي التجاهل الاميركي مستمرا، حيث واظب الاميركيون على التحرك دون «التنسيق» معه، وكانت اصداء الاعجاب بموقف تأتي بالتواتر، ومن هنا كانت الخشية في «بيت الوسط» بخسارة صداقة الرئيس الفرنسي الذي لعب دورا محوريا في استعادته من السعودية عندما تم احتجازه،ولذلك اختار تجرع «السم» الذي سكبه لنفسه مرة جديدة بفعل خياراته الخاطئة..

وفي الخلاصة، ساعات حاسمة حكوميا، ستتظهر خلالها الكثير من الامور، فبعد 22 يوما من المراوحة السلبية، قرر الحريري «التنازل»، فوافق على اعطاء حقيبة المال لمرة واحدة الى «شيعي»، وحصر الاختيار بالرئيس المكلف، يريد حفظ ما تبقى له من «ماء وجه» في الداخل والخارج، لكن يدرك الجميع ان اي ولادة حكومية سيسبقها تسمية من قبل بري «من تحت الطاولة»، عبر تقديم اسماء شخصيات شيعية فيختار رئيس حكومة «المهمة» من ضمنها الوزيرَ الذي ستُسند اليه المالية،وهو مخرج عرض منذ اليوم الاول للتكليف، واذا كان ثمة من يناور في التوقيت الخاطىء، فان الايجابية الوحيدة لهذه المناورة تبقى انها كشفت الكثير من «الاقنعة» بعدما وقف «الثنائي» في مواجهة «الانقلاب» وحيدا..