اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في مشهد دراماتيكي يشبه إلى حد بعيد سيناريو 8 كانون أول 2024، ويشبه أيضا سيناريو «الانهيار الكردي» الحاصل عام 1975 في أعقاب توقيع الرئيس العراقي السابق صدام حسين لـ«اتفاقية الجزائر» مع شاه إيران، وخلال ساعات فقط، كانت قد امتدت ما بين صباح 17 حتى عصر 18 من شهر كانون الجاري، تغيرت خرائط السيطرة في المناطق التي جرى التوافق على تسميتها بـ«شمال شرق الفرات» السوري، التي وقعت منذ العام 2014 تحت سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية - قسد»، التي اختير لها ذاك الاسم بـ«مشورة» أميركية بعد دخول الطرفان في شرْكة سيطلق عليها اسم «التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية»، بعد أن كان اسمها «وحدات حماية المرأة الكردية» في مؤشر يؤكد على العلاقة «المشيمية» التي تربط ما بين هذه الأخيرة وبين «حزب العمال الكردستاني - PKK» الذي يتبنى في أدبياته نظرة مفادها أن «تحرر المجتمع يبدأ أولا من تحرر المرأة».

في غضون 36 ساعة على انتقال المعارك من دير حافر وسد تشرين، الواقعتين غرب النهر، واللذين سيطرت عليهما «قسد» في الساعات الأولى للإعلان عن سقوط نظام بشار الأسد، إلى أرياف الرقة التي شكل تساقطها السريع فعلا هو أشبه بتساقط «أحجار الدومينو»، لتتبعها أرياف دير الزور التي خرجت عن السيطرة في غضون ساعات من خروج أرياف الرقة عنها، الأمر الذي عنى تقلص المساحات التي كانت تسيطر عليها «قسد» بنحو 70% من تلك السابقة، والبالغة نحو 30% من إجمالي المساحة الكلية للبلاد، ليقف الرئيس السوري، يوم 18 كانون الجاري، معلنا عن «وقف إطلاق النار بشكل كامل في الجزيرة السورية»، لافتا إلى إن «مؤسسات الدولة سوف تتسلم شؤون الحسكة ودير الزور والرقة، وفي الغضون نشرت وكالة «سانا» بنود الإتفاق الموقع ما بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، قائد «قوات قسد»، هاتفيا، بوساطة من المبعوث توم براك الذي كان مجتمعا، بأربيل، مع هذا الأخير في ضيافة مسعود بارازاني، زعيم الحزب» الديموقراطي الكردستاني ورئيس إقليم كردستان العراق 2005 - 2017، وأبرز البنود الأربعة عشر التي تضمنها ذلك الاتفاق كانت في «دمج المؤسسات المدنية ضمن مؤسسات الدولة»، و«استلام الحكومة للمعابر وحقول النفط والغاز»، و«دمج العناصر الأمنية والعسكرية بشكل إفرادي»، وإخلاء عين العرب من السلاح الثقيل»، و«التزام (قسد) بإخراج كل قيادات(حزب العمال الكردستاني) من سوريا»، والمؤكد هو أن هذي البنود الخمسة كافية للقول بأن «اتفاق 10 آذار» قد بات من الماضي لأن الوقائع قد تجاوزته، ولم يعد في «قماشته» الأساسية شيء مما يمكن «التدفؤ» به، ومن المؤكد أن ما جرى كان نتيجة لخطأ حسابات كبير، وإن كان الكرد قد تميزوا بتلك «الصفة» على مر تاربخهم الحديث بدءا من «مهاباد» في إيران التي قامت، وزالت، عام 1946، ثم وصولا إلى استفتاء «كركوك» بشمال العراق عام 2017 الذي كاد أن يعصف بما حققه الكرد في هذا الأخير على امتداد العقدين السابقين لذلك الاستفتاء، ولعل السؤال الأساس، والجوهري، هو كيف؟ ولماذا؟ تهاوى كل شيء بهذه السرعة؟ ثم هل يكفي التواري حول ما أسماه البعض بـ«الخيانة الأميركية»؟ لتبرير ما جرى ؟ أم التواري وراء «خيانة» العشائر العربية، التي لطالما شكل أبناؤها نحو 55- 60 % من قوام «قوات قسد» وفقا لتقديرات صادرة عن مراكز أبحاث ودراسات أميركية كانت لصيقة بهذه الأخيرة.

تشير التطورات الحاصلة في سوريا ما بين 7 و 18 كانون الجاري إلى تصميم إدارة دونالد ترامب على دعم حكومة الشرع في سوريا حتى النهاية، وفي سياق متصل كان اجتماع «باريس»، 6 كانون الجاري، بين الوفدين السوري والإسرائيلي بإشراف أمريكي، ومشاركة غير مباشرة من حقان فيدان، وزير الخارجية التركي، قد أدى إلى حصول توافقات على تقاسم نفوذ تركي - إسرائيلي على الأراضي السورية، وهو يتضمن تغييرا وازنا في خرائط النفوذ في الشمال الشرقي من البلاد، بما يرضي أنقرة، في مقابل إقرار الأخيرة بنفوذ إسرائيلي يطول مناطق الجنوب السوري من دون أن يعرف، حتى الآن، مصير مدينة السويداء، وما الذي ستؤول إليه الأوضاع فيها، والمؤكد، وفقا للمعطيات السابقة، فإن «قسد» لم تقرأ جيدا مدى التحول الحاصل في الموقفين الأميركي والإسرائيلي اللذين باتا يسيران في غير مصلحتها، وفي تصريح لمصدر مسؤول في «مجالس سوريا الديموقراطية» مع «الديار»، ذكر هذا الأخير أن «لا وجود لموقف فاعل من قبل التحالف الدولي الذي كان شريكا في حربنا على الإرهاب لأكثر من عشر سنوات»، ناهيك عن مطرقة «حزب العمال الكردستاني» الرابضة فوق رأس صانع القرار في «قسد»، والمؤكد أن تلك المطرقة هي التي افشلت لقاء الشرع - عبدي الذي جرى يوم 19 كانون الجاري، حيث تشير تقارير إلى أن عبدي حاول إدخال تعديلات على الاتفاق الذي جرى توقيعه هاتفيا يوم الأحد الماضي بوساطة أميركية، إلا أن الشرع رفض أي تعديل، بل ورفض، وفقا للمصدر السابق، منح عبدي مهلة الايام الخمسة التي طلبها للتشاور مع قيادات تنظيمه، والمؤكد هو أن التصلب الذي يبديه «حزب العمال الكردستاني»، إنما مرده لحسابات تتعلق بالعملية السياسية الجارية بينه وبين الحكومة التركية.

يبقى السؤال المهم الآن هو هل ستسطيع الحكومة السورية، عبر المقاربة التي قدمها المرسوم «13» للعام 2026، الذي طوت من خلاله ملف إحصاء 1962 الإشكالي بمدينة الحسكة، والذي نظرت إليه العديد من القوى والتيارات السياسية الكردية على إنه «بادرة حسنة، لكنها غير كافية»، من تبريد ملف السخونة الحاصلة راهنا في «المسألة الكردية»؟ والمؤكد هو أن نجاحها في فعل من ذلك النوع سوف يتوقف على كيفية تعاطيها مع مطالب الأكراد خارج إطار «قسد»، ومن وراءها مطالب «حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي - PYD»، فالمآلات التي استطاعت السلطة من خلالها تحجيم «قسد» ودورها، بدعم وإسناد خارجيين، لا تعني على الإطلاق إنهاء للمسألة الكردية في سوريا، وفي هذا السياق أشار المصدر المسؤول في «مجالس سوريا الديمقراطية»، المشار إليه أعلاه، في ختام اتصاله مع «الديار» إلى أن «اصطفافات عدة يجري تبلورها على الساحة الكردية بعد الإعلان عن فشل لقاء الشرع - عبدي»، وأشار المصدر إلى الاجتماع الذي دعا إليه اليوم، 20 كانون الجاري، صلاح درويش رئيس «الحزب الديموقراطي التقدمي الكردي» بهدف التباحث في الأوضاع و تحمل القوى السياسية لمسؤولياتها، مضيفا أن «قرار الشعب.. وقرار (قوات سوريا الديموقراطية) هو المقاومة للحفاظ على المكتسبات التي حققوها... فنحن الان امام حرب وجود أو لا وجود».

الأكثر قراءة

رسائل من بعبدا للداخل والخارج وعون يؤكد: الحل بالحوار «إسرائيل» طلبت نقل الاجتماعات من الناقورة إعترافات خطيرة امام عثمان... و«ابو عمر»: انا تاجر مش أمير