فات بنيامين نتنياهو أنه عندما تكون "اسرائيل" صناعة أميركية، لا بد أن تكون صنيعة أميركية. في هذه الحال، لمن تكون حصة الأسد ولمن تكون حصة الكلاب ؟ على ذلك المسرح الفوضوي الذي يدعى الشرق الأوسط، الذي لكأنه "أريكة الغزاة" ، بدل أن يكون "أريكة الأنبياء" لكثرة ما هبط عليه من أنبياء. الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا تحدث عن "فائض الأنبياء"، مقابل انعدام الأنبياء في المناطق الأخرى من العالم. ولربما كان ذلك سبيلها للتفاعل الديناميكي مع جدلية الأزمنة ..
بنيامين نتنياهو استقبل في الكابيتول كما لم يستقبل دوغلاس ماك آرثر، بطل الباسيفيك، أو دوايت ايزنهاور بطل النورماندي، حتى كما لم يستقبل فرنكلين روزفلت الذي قال ايفري هاريمان، أنه جعل من أميركا "الابنة الكبرى لله". أمام أعضاء الكونغرس الذين صفقوا له وقوفاً، قال "لولا "اسرائيل" لما كان للولايات المتحدة موطئ قدم في الشرق الأوسط" . الى هذه الدرجة انتهت الزبائنية التوراتية، كما لو أن جدعون ليفي لم يقل في "هاآرتس"، "لولا الامدادات الأميركية، لكان علينا أن نقاتل الفلسطينيين بالعصي والحجارة" !
باستثناء ذلك "الحاخام" البشع (الفيلسوف اليهودي الفرنسي) برنار ـ هنري ليفي، كم أبدى المؤرخون والفلاسفة "اليهود" في الغرب، خشيتهم من الارتدادات العالمية والاقليمية للسياسات الهيستيرية ـ الفلسفات الهتلرية ـ لزعيم "الليكود"، دائماً بالقاذفات والقنابل والأموال الأميركية. هنا الخطر. الذهاب في الجنون الدموي الى حدوده القصوى على صهوة حصان آخر، كما كتب ناحوم بارنياع، الذي أضاف "أخيراً، لا بد لذلك الحصان أن يتركك تقع أرضاً، وقد يطأ على جثتك". أليس شيء من هذا يحدث الآن في غزة، وان كانت هدية دونالد ترامب الى بنيامين نتنياهو تحويل القطاع الى ملهى ليلي، لا الى منطقة خالية من العرب، لتكون المحطة الأخيرة باتجاه نهر النيل .
الغريب أن لوثة النار ما زالت تعبث في رؤوس "الاسرائيليين". ها أن رئيس الأركان الجنرال ايال زامير يصرح بأن قواته تستعد لامكانية اندلاع حرب مفاجئة، متوعداً باستخدام قوة "غير مسبوقة ضد أي محاولة لالحاق الضرر باسرائيل". على من يكذب هذا الرجل (وهذه ثقافة اسرائيلية معروفة للقاصي والداني)، وهو الذي يعلم ألا دولة سوى الدولة العبرية في هذه المنطقة تفكر في شن الحروب، ان لتدمير أي قوة أخرى، أو لتتقدم خطوة أخرى في اتجاه تحقيق مشروعها "الالهي" باقامة "اسرائيل الكبرى"، وان كان المشروع المستحيل، الا اذا كان المقصود بـ "القوة غير المسبوقة" الصواريخ النووية .
في يقيننا أن هذا ما يقصده ايال زامير، بعدما كان السناتور لندسي غراهام، مبعوث "يهوه" الى تلك الكابيتول، قد حث "تل أبيب" على اللجوء الى الخيار النووي، باعتباره السبيل الوحيد و"المنطقي" للتغيير في الشرق الأوسط، ليتساءل المؤرخ الاسرائليي ومؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، عن "تلك الدولة التي تقيم بين القبور"، محذراً من أن "عظام الموتى هناك لا تبقى الى الأبد تحت التراب".
كما بات واضحاً، لا يستطيع نتنياهو التوقف هنا في مسيرته الدموية. تصوروا أن يتحدث عن حرب استباقية ضد ايران، بهمومها الداخلية الهائلة، كونها رفضت أن تكون القهرمانة في البلاط أو في الهيكل. ذلك العمى الايديولوجي والاستراتيجي، لا يتيح للائتلاف أن يرى كيف أن ما فعله ويفعله في غزة وفي لبنان وفي سوريا، وحتى في قطر، أدى الى تحول من كانوا بعيدين عن المواجهة، وبعضهم أصدقاء "لاسرائيل" في الخفاء أو في العلن، الى أعداء لها، بعدما استشعروا أن "اليد التوراتية" الغليظة تدق على أبوابهم. وكنا قد نقلنا أمس ما ورد في صحيفة "الرياض"، وهي تعكس حتماً رأي قصر اليمامة، حول التغيير الجذري في المعادلات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ...
الحديث عن الحلف الثلاثي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني بات يعلو أكثر فأكثر. هنا الرؤوس النووية في مواجهة الرؤوس النووية (وهذا قرار باكستاني لا يقبل التأويل). مصر لا تستطيع الا أن تكون مع هذا الخط وان عن بُعد. أما ايران فتبدو كما لو أنها الضلع الرابع في الحلف. اذاً مشروع نقيض لتغيير الشرق الأوسط، ولكن لبس من الهيكل، الذي قال الجنرال افرايم سنيه باعادة بنائه بعظام اللبنانيين لا بأخشابهم.
كثيراً تحدثنا عن المسار التراجيدي (المسار الاغريقي) للشرق الأوسط. ولكن حتى في المفهوم الكلاسيكي للتراجيديا، لا بد أن تصل الى الذروة وتنفجر. أجل أجل، كان لا بد للشرق الأوسط أن ينفجر بطريقة أو بأخرى، بعدما ذهب ايال زامير، وهو الذراع المرقطة لبنيامين نتنياهو، الى حد التهديد بالقنبلة النووية، التي في نظره تؤسس للتاريخ الآخر، أي "التاريخ التوراتي" للشرق الأوسط، تماما كما وصف دين أتشيسون قنبلة هيروشيما، التي تؤسس أيضاً للتاريخ الآخر أي التاريخ الأميركي ...
ولكن لنقرأ ما كتبه المؤرخ البريطاني بول كنيدي، مؤلف "صعود وهبوط القوى العظمى"، في أحيان كثيرة يمشي التاريخ كما السكارى، أو كما المجانين، ليسقط في أول حفرة أو في آخر حفرة في الطريق. ثمة أكثر من حفرة في الطريق ...!
يتم قراءة الآن
-
مصير مجهول «للميكانيزم» والقائد الى واشنطن بـ3 ملفات «كرة ثلج» تعيين القزي تتدحرج... تمنيات سعودية «للتيار» بعدم التحالف مع حزب الله!
-
ترامب ونتنياهو بين المستحيل والمستحيل
-
هل يدفع دروز سوريا ثمن لعبة الأمم كالأكراد؟ الهجري تلقّى نصائح من ظريف بعدم القطيعة مع دمشق التطورات أكدت حكمة جنبلاط في قراءة المشهد السوري
-
الرسالة التي منعت ضربة واشنطن على ايران ونزعت فتيل "ليلة الانفجار"!!!!
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:59
مصدر أمني في قسد للجزيرة: مسيرات مجهولة المصدر تستهدف بغارتين موقعاً لقسد في مدينة القامشلي بريف الحسكة.
-
23:54
تحليق مسير على علو منخفض فوق الخرايب وعدلون.
-
23:42
آليات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار شمال قطاع غزة.
-
23:38
ترامب: وكالة الصحة العالمية فاسدة والأمم المتحدة لم تساعدنا في وقف الحروب.
-
23:32
الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز تعلن دخول 300 مليون دولار إلى خزينة الدولة من مبيعات النفط.
-
23:32
واشنطن بوست: البنتاغون يعتزم تقليص مشاركة الولايات المتحدة في مجموعات استشارية تابعة لحلف الناتو.
