المحلل السياسي

دخل لبنان مرحلة خطرة من تاريخه الحديث بعد فشل تشكيل حكومة «المهمة» المرتكزة على المبادرة الفرنسية، وتأتي هذه الانتكاسة في وقت تمر البلاد بسلسلة أزمات خطيرة على كل المستويات، بدءاً بالازمة الاقتصادية والتي تفاقمت بعد فشل الحكومات المتعاقبة في اقرار الإصلاحات المالية والاقتصادية المطلوبة منذ مؤتمر سيدر 1 من المجتمع العربي والأوروبي والدولي، إضافة الى انتشار وباء الكورونا في لبنان بشكل تصاعدي تخطى الـ 1000 إصابة في اليوم الواحد كما أن أزمة انتهاء الاحتياطي في مصرف لبنان تلوح بالأفق وما قد ينتج عنها من وقف الدعم للبنزين والفيول والطحين والدواء والمواد الاستهلاكية المعيشية. هذا ما قد يؤدي الى أزمة غلاء وتضخم في الاسعار لا يستطيع تحملها الشعب اللبناني بعد 3 اشهر. وقد قام بالتنبيه لهذا الأمر حاكم مصرف لبنان الأستاذ رياض سلامة. إضافة الى حصول أكبر انفجار في العالم بعد الانفجارات النووية حيث شرّد انفجار مرفأ بيروت 300 ألف لبناني معظمهم من المسيحيين واصابة 80 ألف مسكن بأضرار كاملة وجزئية ثم حصول مظاهرات كبرى واستقالة حكومة الرئيس حسان دياب الى أن وصلنا الى تكليف مصطفى أديب تشكيل الحكومة وبعد أكثر من 20 يوماً اعتذر أديب عن التأليف «لانها ستكون حكومة فشل» كما جاء في بيان اعتذاره.

تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اعتذار الرئيس أديب

أول ردة فعل جاءت من سعر الدولار في السوق السوداء حيث ارتفع الى 9000 ليرة للدولار الواحد ولامس مع انتهاء النهار 9500 ليرة لبنانية ويبدو أنه يميل الى الارتفاع في الأسبوع المقبل.

أما تفاصيل الاعتذار، فهي أن الرئيس أديب في اجتماعه مع الخليلين طلب منهما إعطائه لائحة بالأسماء المرشحة وقال للخليلين أنه اختار عدة أسماء وبعد دراسة هذه الأسماء سيختار شخصية وزير المال وشخصية الوزير الثاني من الطائفة الشيعية على أساس أن حكومته ستكون من 14 وزيراً. فتمنى على الوزير علي حسن خليل والحاج حسين خليل تسليمه لائحتهما، فأصرّا بدورهما على تسمية وزير المال من قبل الثنائي الشيعي إضافة الى الوزير الثاني الشيعي وأن هذا الامر من حقهما لان حركة أمل وحزب الله هما اللذان يمثلان الطائفة

الشيعية من خلال نتائج الانتخابات النيابية.

فرفض الرئيس المكلف تسمية شخصية وزير المال من قبلهما والوزير الاخر لان بقية الكتل النيابية ستطلب الامر ذاته، وأنه سمع في وسائل الاعلام مطالبات رؤساء أحزاب وقادة سياسيين لتسمية وزرائهم سواء من الموارنة أو الدروز أو من بقية المذاهب والطوائف وهذا سيؤدي الى قيام حكومة محاصصة وعندها سيرأس الرئيس المكلف مصطفى أديب وفق وجهة نظره حكومة فاشلة وهو لا يقبل بذلك. وقد تشاور أديب بعد انتهاء اجتماعه بالخليلين مع خلية الازمة الفرنسية المتابعة وأبلغهم بتفاصيل الوضع وأنه يريد الاعتذار فأجابته خلية الازمة الفرنسية أن لا مانع لدى الإدارة الفرنسية من اعتذاره وكان هذا ليل الجمعة السبت وأمس زار الرئيس المكلف قصر بعبدا وقدم اعتذاره للرئيس ميشال عون رسمياً. وليل الجمعة السبت بعد فشل اجتماع الرئيس المكلف مع الخليلين تقول معلومات أن الوزير السابق وليد جنبلاط حاول المبادرة الى إيجاد حل، فاتصل بالرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري وغيرهم لايجاد صيغة استمرار الرئيس المكلف بمهمته لكن المحاولة فشلت وذلك وفق مصدر سياسي مراقب.

 أجواء ملبّدة بعد الاعتذار...وماذا سيحصل في المستقبل؟ 

الإدارة الفرنسية في العاصمة باريس أصيبت بخيبة أمل، لكن وكالات أنباء عالمية ذكرت أن الرئيس ايمانويل ماكرون لن يتخلى عن مبادرته تجاه لبنان لإنقاذ شعبه ودولته وسينتظر خطوات رئيس الجمهورية والكتل النيابية اللبنانية لمحاولة تأليف حكومة من جديد وأنه سيتابع الوضع عبر خلية الازمة المؤلفة من مدير المخابرات الخارجية الفرنسية السيد برنار ايمييه ومندوب من القصر الرئاسي «الإليزيه» ومندوب عن الخارجية الفرنسية ولا بد من أن تنجح المحاولة الثانية لتأليف الحكومة اللبنانية.

على الصعيد اللبناني، سيطر التشاؤم على الناس وعلى المسؤولين وخرجت مظاهرات في ساحة الشهداء وطرابلس منددة لما وصل اليه الوضع. وتوجهت الأنظار نحو قصر بعبدا فذكرت أنباء أولية أن رئيس الجمهورية قد يجري مشاورات قبل الدعوة الى استشارات نيابية على أن تكون الأجواء قد توصلت الى تحديد اسم الرئيس المكلف.

وتميل الكفة لدى معظم القيادات والكتل النيابية إلى ترشيح الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة المهمة وأن الرئيس نبيه بري قادر على إيجاد صيغة تفاهم مع الحريري بشأن شخصية وزير المال والوزير الشيعي الآخر كما أن الرئيس سعد الحريري لديه خبرة في الاتصال مع القيادات السياسية ولديه حظوظ كبيرة في النجاح خاصة وأن فشل الحريري في تشكيل الحكومة يعني أن لا شخصية من بعده ستكون قادرة على تأليف الحكومة لأن الرئيس المكلف مصطفى أديب جاء بالواسطة عن نادي رؤساء الحكومات السّنة السابقين على أن يبقى الحريري خارج التكليف ويكون جاهزاً في حال فشل الرئيس المكلف أديب بتأليف الحكومة.

 الصراع الأميركي ـ السعودي مع إيران وحزب الله عطل تأليف الحكومة 

اختارت واشنطن أن تطلق النار على الساحة اللبنانية في أوج مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من خلال عقوبات فرضتها على وزراء أحدهم من حركة أمل ثم العقوبات على شركتين (الإعمار) وشخصية مشرفة على إحدى الشركتين قريبة من حزب الله. ثم هاجم الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز حزب الله في لبنان وقال أن لا حل من دون نزع هيمنته على الدولة اللبنانية كما أن بن سلمان طالب بنزع سلاح الحزب وهاجم إيران والحزب بعنف وقوة. وردّت إيران عبر مصادر رسمية من جهة كما رد حزب الله على السعودية. وفي السياق ذاته، هاجم مسؤولون أميركيون أبرزهم وكيل الخارجية الأميركية ديفيد هيل حزب الله في لبنان مطالبا بحصول التغيير الكامل عبر نزع سلاح الحزب كي تساعد واشنطن لبنان، وهو أمر تعرفه واشنطن أنه غير قابل للتنفيذ في المدى المنظور مما انعكس على أجواء نادي رؤساء الحكومات السّنة السابقين باستثناء الرئيس الحريري الذي أعلن عن مبادرة تقضي بتسليم لمرة واحدة وزارة المالية إلى الطائفة الشيعية وطبعاً قام الحريري بهذه المبادرة بالتنسيق مع الرئيس ماكرون إلا أن الخلاف بين الرئيس المكلف أديب والثنائي الشيعي على التسمية أدى إلى إجهاض مبادرة الحريري.

أما الأجواء المستقبلية في لبنان فهي محاولة تأليف الحكومة من جديد وأجواء بعبدا تقول أنه يجب الاتفاق على الرئيس المكلف قبل إجراء الإستشارات النيابية من قبل رئيس الجمهورية. اما الرئيس بري فأعلن أنه مع المبادرة الفرنسية بمضمونها الكامل وكلمة المضمون تعني حكومة تقوم بالإصلاحات كما أكد أنه مع الإصلاحات كلها وأن المجلس النيابي جاهز لأقرار الإصلاحات بأسرع وقت.

اما موقف حزب الله فهو التشدد بالتسمية لأنه لا يقبل بالتنازل عن دوره وموقفه كون التنازل سيتبعه طلبات أخرى بالتنازل من قبل الأميركيين ليصلوا إلى إلزام لبنان بالقبول بتسليم الحدود البحرية وفق ما تريد إسرائيل وواشنطن وترسيم الحدود البرية والتنازل عن مزارع شبعا اللبنانية وهو أمر ليس بوارد أن يقبل به الحزب.

أما حركة 14 آذار فهاجمت الأكثرية الحاكمة وبرز رد فعل الدكتور سمير جعجع قائلاً طالما أن الأكثرية الحاكمة حاليا مسيطرة على الوضع فليس هناك من أمل في التغيير. أما بقية أحزاب 14 آذار طالبت بانتخابات نيابية مبكرة على أساس أن نتيجة الانتخابات ستؤدي إلى تغيير الأكثرية الحالية ومجيء أكثرية من 14 آذار قادرة على الحل. أما زوار السفارة السعودية في بيروت فقالوا أن الأجواء السعودية متشددة للغاية وأن السعودية كانت تنتظر إدانة قصف الرياض من قبل الحوثيين وكانت تنتظر هذا الأمر من الرئيس ميشال عون لكنه لم يفعل.

فعلى أي أساس يطلبون من السعودية أن تساعد لبنان مالياً؟ بالنتيجة لا يمكن التكهن بما سيحصل لأن الوضع في لبنان أصبح صعباً ومعقداً فإما أن يذهب لبنان إلى جهنم كما قال الرئيس ميشال عون وإما أن يحصل انقاذ كما يطالب شعب لبنان من خلال المبادرة الفرنسية على أن تستمر حتى تأليف حكومة جديدة.

ماكرون يعقد مؤتمراً صحافياً اليوم للتحدث عن لبنان

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيعقد مؤتمرا صحافياً اليوم للتحدث عن الموقف السياسي في لبنان، ويأتي هذا الاعلان بعد اعلان الرئيس المكلف مصطفى أديب أمس، اعتذاره عن تشكيل الحكومة.